ثنائية الحلم والأمل.. 3-6

محطات معنوية وحسية شكّلت وعي فناننا الشاب، تركت أثرًا تكوينيًا منذ زمن البراءة وما بعدها، وقبل أن يودع مقاعد الدراسة في المرحلة المتوسطة انخرط بشكل مكثّف في التصفح عبر الشبكة العنكبوتية مع بدايات انطلاقها في المنطقة قبل انتشار جهاز الحاسوب شعبيًا وذلك عن طريق (إنترنت أرامكو) بفضل والده الموظف في الشركة الذي أحضره إلى أولاده في المنزل ليستفيدوا من فضائه، راح فناننا يبحث عن روائع الفن العالمي بأشكاله المختلفة، وأدرك الكثير من مفاهيم الحداثة معتمدًا على مقدرته في اللغة الإنجليزية، فأخذ يوزّع وقته بين تصفح واستيعاب وتطبيق، والفن ينمو في ذاكرته البصرية.
وخلال المرحلة المتوسطة شارك (جماعة إبداع) لبعض الوقت فتعرف على الأجواء الفنية عن قرب وتعد بداية الاحتكاك بالوسط التشكيلي وهي مساحة مهمة للخروج من القوقعة المنزلية، أثناء ذلك جذبته أعمال الفنان (زمان جاسم) وتأثر بها لبعض الوقت، وتعلم منه الإقدام وروح المغامرة، وفي خضم التراكمات أخذ عالم الفن يتنامى سريعًا ويتشكل أكثر فأكثر مرتكزًا على سعي شخصي وذائقة فنية عصرية متجاوزة الأطر التقليدية.
إنه جهد فني نخبوي قاده للركب التشكيلي الحداثي، وكان أولى ثمار هذا النهج أن خوله للفوز بالجائزة آنفة الذكر عام 2009م والتي حلقته بأجنحة الثقة والفرح، مستجمعًا على إثرها رؤيته اللونية بأقصى إمكانياته بعمل سلسلة على غرار تلك اللوحة أو ضمن أجوائها، وبعد أن قام بإنجازها، كانت قاب قوسين أو أدنى من العرض ضمن معرض ثلاثي يجمعه مع فنانتين (فاطمة النمر) و(هبة عابد) إلا أن ظروفا تنظيمية حالت بعدم إقامته، وعن هذه التجربة التي لم يكتب لها النجاح بعرضها كاملة أمام الجمهور نستعرضها هنا بروح انطباعية مختصرة أسميتها بـ(التأثيرات الحمراء) وهي مجموعة لوحات تتسم بالتجريد اللوني الغنائي، حيث اللون سيد الموقف
تستقبلنا كتلة من درجات الألوان الحارة النابضة بارتعاشات ألوان الغسق كغيمات مسافرة في سماء باردة أو داكنة لا تهدأ من الترحال، تتقاذفها نسمات عليلة من ريشة الفنان، لتعيد صياغة تشكلها مع تجدد المواسم، سحب ملونة تتنوع وتتوالى عليها تقاسيم خطية، وتشحنها ألقًا متوازيًا، إنها تقطيعات خطية أفقية ثلاثية ممتدة من اليمين إلى اليسار أشبه بخطوط المشاة المعلقة في الهواء، تتمترس خلف الكتل اللونية وتخترق جزئيا وتمتزج معها لتلتحم بفضاء الخلفية فتصيب الاثنتين بسهامها وتجرحهما عشقا فيذوقا من ندى عنفوانهما عطرًا ينساب على توهجهم اللوني وظلاله الشفيفة، وبشوق تشاكسهما رقصا أثيريًا، ثمة رشات خطية متطايرة ودفقات لونية متباينة وأخرى منسجمة في فتنة آسرة، تهتز لها الكتل طربًا في حراك مستمر لتسمعنا صوتها المنغم وأصدائه من تزويقات حروفية، وجرعات تنقيطية ووحدات زخرفية مبسطة كأنها وشم مطبوع على أديم اللوحة، تنغيمات لغيمات حرة تعزف متتاليات لونية بأجواء موحدة تلف نسق اللوحات في هرمونية جمالية تضمر الحلم والفرح المعلن برومانسية الوجد.
تلك كانت رحلة ريشة مخضبة بألوان الغسق، عزفت ردحًا من الزمن تحت همسات الأصيل فسميت مجازًا بـ(التأثيرات الحمراء).



