أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

ثنائية الحلم والأمل (5-6)

عبد العظيم شلي · القطيف اليومالإثنين 3 يونيو 2019، 8:19 م
ثنائية الحلم والأمل (5-6)

يأخذنا فناننا الشاب إلى مساحات الأمل عبر تكوينات عفوية انفعالية لكنها موجهة إلى حيث ما يريد، تشي بعاطفة جياشة تستقصي أثر التطاير الضوئي في الفضاء الليلي وتلألؤ الأضواء الصناعية، يوزعها تراشقا في تعقب مناخ لوني مستجد.

تستفزه في لحظة الاندماج الألوان الصريحة فيسكبها سكبا على تضاريس المجسمات وأسطح اللوحات، مستوحيًا مقولة "بول جانكيز" لتلميذه "الآن باتيس": "حاول أن ترسم مثل رامي النرد".

فناننا طبق الفكرة ونثر الطلاء ما طاب له واشتهى من الدائرة اللونية، بتوافقها وتضادها، يدفقها حماسة بمتعة استكشافية، نثر ومسح وحراك على الأسطح الخشنة والمخدوشة من أثر المعاجين المكتسية دهنًا ببهجة الألوان الفاقعة والفرايحية، بتغطية كامل اللوحة كخلفية موحدة، تتغير لونيًا حسب مناخ كل لوحة، يفرد مساحات كاملة بلون واحد، أعمال تأخذ طبقة أحادية، زرقاوات، برتقاليات، بنفسجيات، ورديات.. إلخ، ثم يأتي فوقها النثر اللوني بطريقة "تقنية التقطير" التي نهجها "جاكسون بولوك" ورفاقه من مدرسة نيويورك "التعبيرية التجريدية".

تقطيرات من مزيج الألوان أو من الأنبوب مباشرة، أو نثرات بواسطة الريشة أو السكين المثقلتين باللون المختار، نفضة يوجهها حسب بقعة معينة أو ضمن مساحة محددة تكبر أو تصغر، رذاذ مكثف لإبراز منطقة بعينها، مع سحبات لونية مفرودتين بالأداتين "الفرشاة أو السكين"، لتبرز من خلالها تكوينات تخيلية تعبر عن حساسية الفنان الداخلية وعن رؤيته الشخصية للعالم، وأعمال تشبع رغبة جمالية صرفة، وأخرى ترمز إلى ذلك الإنسان المتعلق بالأمل.

يسمعنا الفنان معزوفاته اللونية عبر لوحاته ومجسماته المقدرة ضمنًا بين مدرستين "التجريد الغنائي" و"التعبيرية التجريدية"، ننصت إلى تجربته الجديدة بتأمل مفتوح إلى ما وراء غاياته الجمالية، يطربنا هدير تموجاته اللونية المتراكمة والمتعانقة بإيقاعاتها الحرة، تتحدد وتيرتها وتنكمش في بعض المواضع، تتزاحم فيما بينها إلى حد التشابك الحركي ثم تهدأ نسبيًا فاسحة المجال للمستجدات اللونية الإضافية للفصل فيما بينهما بالتي هي أجمل، تطمس أجزاء من بعض أطرافها وأحيانا يتآكل حيز منها.

نتف متطايرة أو متلاشية في كنف خلية العمل، تموجات تضيق وتصغر حسب اندماجها في بيئتها اللونية وطبيعة بنائها الشكلي، يتلاعب الفنان في قولبة صياغتها لمسة إثر لمسة إلى حين الإحاطة بقيمها التركيبية والوظيفية واستشعار نبضها الجمالي للوصول إلى حراك ديناميكي على الأسطح المختلفة، مع إضافات داعمة ومساندة يستجلبها الفنان عبر خطفات خطية لولبية سريعة ترافقها تزويقات من رشات "الأسبريه" بطريقة الإستنسل، وهي تفريغات ورقية على شكل وردة بأحجام متفاوتة يبخها في أماكن معينة وأخرى يرسمها بالريشة، فنرى الأشكال مدغمة ومتماهية في كيان العمل.

وعلى جاذبية الألوان والأشكال الحرة تطوف الأعين من لوحة إلى أخرى تستقرئ وجدانيا كلمة "الله" كدلالة نورانية تتجلى في الروح، لفظة تأخذ مداها في أغلب الأعمال كأيقونة مقدسة وجمالية، كتبت بتلقائية مفعمة بالإيمان ودونت بطريقة قشط اللون الغليظ لمقاربة ترك الأثر على الملمس الخشن للانطباع الحسي والمعنوي، إنها تذكرة مؤنسة جلية وشجية تبرق عند الزوايا العليا للوحات موشحة بألوان الخلفية كترنيمة حب أزلي في ذاكرة الحالمين بالأمل.

ريشة فناننا افتتنت بين اشتغال واشتعال، شاغلته مفردة "حب" فأخذ يراقصها كتابة في قلب اللوحة شكلها ضمن المدرسة الحروفية، التي اتبعها كثير من فناني العرب ونظر لها النقاد في وقت ما بأنها مدرسة عربية خالصة ودار جدل حول هذا المفهوم، التوجهات نحوها خفتت بعض الشيء، فناننا الشاب صاغ شيئًا منها وفق ما اختزنته مشاهداته من رؤية أعمالهم، وشكلها بتقاطع بعض تكويناتهم وألبسها ضمن تكنيكه الخاص جاعلًا كلمة "حب" تدوي بإيقاع يتكرر بتراص وتداخل ويترك واحدة أحيانًا لتكون لها مركزية السيادة والبقية مدغم في تموجات اللون ببروز وخفوت، أرادها كنبض الخافق بين الضلوع في هدوئه وانتعاشه وتسارعه كلما سعد بألق وجمال وجنائن الحرفين.

واشتعل فناننا بإنجاز مجموعة أعمال أخرى بإدخال الكلمة ونقيضها، وأسماها "حب وحرب"، كلمتان كيف تجتمعان بجانب بعضهما وكيف لهما أن تتقابلا وجهًا لوجه؟! هو أدخلهما في طقس من الألوان جاعلًا منهما يخوضا حوارًا بين عتمة اللون الداكن ونورانيته، يحاول أن يخرج كلمة حرب من خضم عمى السواد وأتونه الذي لا يرى فيه إلا الظلام والضياع ليأنسها فرحًا بفتوح اللون بحذف حرف الراء، لتصبح "حرب" "حب"، وأراد لكلمة حب أن تنتصر وتسود كأنه يقول للجميع احذفوا هذه الكلمة من قاموسكم اليومي، اشطبوها من صحفكم ومن أخباركم! أبعدوها عن لسانكم، تحدثوا بلغة "حب" بدلًا من كلمة "حرب" التي يأتي من ورائها دمار وهلاك وفناء.

إشارة فنية قد تكون بسيطة أو سهلة التناول، لكنها عميقة الدلالة، إنها التقاطة ذكية من الفنان ومعبرة في آن، مفردتان أوقعهما تدوينًا مكررًا ومزجهما وفككهما وشكلهما حسب الإزاحة التكوينية من لوحة لأخرى دون الخوض في استحضار عناصر مباشرة، اكتفى بالكلمتين لتتقابلا ثم يفكك الكلمة القاسية برمي الراء لتتحول وتصبح كلمة واحدة، فعل حركي ذو رؤية فنية صائبة، أراد من خلالهما إيصال رسالة مزدوجة للمتلقي بين اشتغال واشتعال بضمير حي ليذكرنا بفطرتنا الشفيفة عودوا لبراءتكم النقية.

فلكم يأنس البشر شعوبًا وقبائل بذكر الحب، وما أحلى تلك الكلمة، الحب يغني عن كل كلام، هو لغز، طلسم، سحر، بل أعظم، هو إكسير الحياة، وما أروع الحب بين الناس وما أجمله حين يسود بينهم، بإشاعته ترتقي النفس وتسمو، وتبتعد عن الأحقاد والضغائن والحسد والكراهية، وتنتفي الثارات وتخبو غريزة الانتقام، بالحب يعم الصفاء، وتتلاشى الحرب، يحل السلام، بالحب يعود البشر إلى إنسانيتهم.