من أنت؟!

وقفة التأمل والتساؤل عن وجودنا ودورنا الوظيفي في الحياة تعد الخطوة الأولى للانطلاق في طريق تحقيق الذات والبحث عن سبل إثبات قيمتها، فلا يمكن لنا الدخول في معترك الحياة كالفراش المبثوث يطرق كل اتجاه حتى يصيبه الإعياء والحيرة والسقوط، فكما أن بوصلة الهدف قد تضيع منا في ازدحام المشاغل فكذلك البداية قد تكون خاطئة عندما نضيع هويتنا ولا نعرف تحديدًا ومشخصًا لنا، فكما هي بداية الرحلة المعرفية للأحداث والمفاهيم بالبحث عن تعريف واضح لها، يزودنا بخلاصة ومحرك معلوماتي يميزها عن غيرها ويضعها على سكة التعريف الواضح، ولن ننعم بجناح التألق والكمال وشق طريق تكوين الهوية وتنمية القدرات والملكات بشكل سديد ما لم نبدأ بداية صحيحة، وهي: من أنا؟
التعامل بواقعية مع النفس ودون تطرف يعطي صورة شفافة وواضحة عن قدراتنا بلا رتوش، فاحتقار الذات مهلك وذلك بتجاهل ما يمكنك إنجازه فتستصغر نفسك وتحرمها من تكوين الهوية المناسبة يصفنا في خانة من ضيع هويته، ولكن الإلمام الصحيح والتام بالذات هو الثقة بالنفس وقدراتها المتنوعة والقادرة على تحقيق الكثير من الأهداف إن عملنا بجد واجتهاد، فلنعد حساباتنا وفق هذه الومضة النيرة في دروب الحياة، فالإنسان قيمته بما ينجزه ويحققه على أرض الواقع بعيدًا عن العنتريات والادعاءات الزائفة، فهناك من ينتهي به أجله ولكن يبقى ذكره الجميل بمنطقه ومواقفه.
قدراتنا في طور الكمون والضمور تتولد مع وجودنا، واحتقار للذات يعني توقفًا لنموها وتطويرها وبالتالي تحكم على إنجازاتك المأمولة بالموت قبل ولادتها، والمهم هو البداية لانطلاقك في الحياة فلا ترسم لنفسك سقوفًا عالية تدفعك نحو السقوط السريع والمدوي، ولا تجعل من نفسك هامشًا غير مؤثر، فالدراسة والشهادات عوامل تنمية لقدراتك ولكنك هذا لا يعني أنك بدونها عاجز عن تحقيق آمالك.
هويتك صفحة بيضاء ترسم معالمها بيدك فلا تدع الزمن يسرق منك أهدافك وأنت مستغرق في الأحلام الوردية، فالأضواء الإعلامية المسلطة لا يمكنها أن تصنع الأبطال الجهابذة، والتجاهل المتعمد من أصحاب الغيرة الزائدة والأحقاد لن يطفئ أنوار فكرك وعملك النير، فأنت بما تحمله من معرفة وهمة وإرادة تضع نفسك في المكان المناسب واللائق بجهدك.
وكل يوم يمر عليك هو فرصة متجددة تستطيع من خلال تنظيم الوقت والعمل المثابر أن تضيف رقمًا جديدًا في تجاوز أخطائك وتقصيرك، أو تسجل إنجاز مرحلة جديدة غير مسبوقة تقربك أكثر وأكثر في سلم التكامل والنجاح.



