الحسين عشق السماء...

قال تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}.
مما لا شك فيه أن الطهارة هنا تعني طهارة الأصل، والمعتقد، والسلوك، والعمل، والقول، والمكان، والزمان، والحال وسواها. ولا يمكن أن ينطبق المعنى المذكور في الآية بظاهره وباطنه إلا على محمد وآله.
إذا كان للطهارة عامةً قمة في نظر الناس فهي مقدمات الطهارة عند محمد وآل محمد ليس إلا.. بمعنى أن منتهى الأخلاق الكاملة عند الناس ليست سوى نقطة من بحر الكمال الأخلاقي المحمدي.
محمد وآل محمد طاهرون ومطهرون أعطوا الطهارة قيمتها الحقة، وما الطهارة إلا لبنة من لبنات قصور آل محمد.
وعليه؛ فأفعالهم، وأقوالهم، ومعتقداتهم، وسلوكياتهم - جملة وتفصيلًا - تعكس كمال الطهارة ومنتهاها في كل الجهات.
هذه الطهارة التي أمدت الحياة بالحياة، والوجود بالوجود، والبقاء بالبقاء.
إن نثار دم الطاهرين يوم الطف أعطى الأرض طاقة إيجابية إلى يوم القيامة.
إن الشرف العظيم والعفاف المنثور من قدمي زينب (عليها السلام) يوم كربلاء أعطى الحياة عفتها وشرفها الذي انعكس على كرام الناس.
لو كشف للناس حال قائم آل محمد أيام عاشوراء؛ لوجدوا في طلعته البهية كل جراحات الحسين، وأخوانه، وأولاده، وأرحامه، وأصحابه. كل جرح في أجسامهم الطاهرة ترك جرحًا حقيقيًا بمقدار ألمه لحظة المصاب في قلب صاحب الزمان (عليه السلام). لذلك نجده يتلوى حزنا على جده الحسين وسفراء السماء الذين معه كل يوم، فكيف بيوم بكى فيه الوجود بأسره؟! حزن لا تحمله السماوات ولا الأرضون معًا. حزن يهد الجبال الرواسي ويذيب الحديد. حزن من عرف الحسين حق معرفته، وعرف عمق المأساة بأبعادها الحقيقية التامة.. لو كشف الغطاء لسمعناه ينادي: واجداه واحسيناه ليتني كنت فداك.
لا شك أن هذا الجانب المأساوي العظيم بتداعياته حفظ الدين، وحمى الشريعة، وخلد بيضة الإسلام.
غير أن هناك الكثير الكثير من الإشراقات الكربلائية ليست بأقل فاعلية من الجانب المأساوي المؤلم.
إن كان للحب معنى، وقادة حقيقيون فهم رجال الله في كربلاء، حيث الذوبان في الله بالذوبان في خليفته الحق.
لم يعرف معنى الإيثار بعمقه، وأبعاده إلا بعد ملحمة الطف الخالدة وفي مواطن لا تحصى عددًا.
إن قمة معرفة الله، والتسليم لأوامره جسدتها مواقف الرضا التام لشهداء العلقمي.
وكم كان للصلاة، وللدعاء، وللتكافل، ولصلة الرحم، وللرحمة، وللشجاعة والبطولة، والإخلاص، والبر بالوالدين، واحترام المرأة وتكريمها ألف شاهد وشهيد تجسد في كربلاء.
إن الدروس المستقاة، والعلوم المستوحاة، والمناهج التعليمية، والحكم، والعبر في ملحمة الخلود الأزلي؛ تحتاج لدنيا أخرى، ورجال آخرين يستوعبونها بمعانيها الظاهرة والباطنة. فالحسين قرآن الله البشري المتنقل الذي جسد قيم السماء جملة وتفصيلًا.
هذه الجوانب المشرقة وغيرها الكثير الكثير تجلت يوم عاشوراء؛ غير أن لهب الجراح في القلوب أوقدتها وصيرتها دماء نازفة - فحسب - عند أغلب الناس.
لكي نجسّد نهج الحسين، وفكره، ومشروعه علينا أن نحيي قيمه، ونشيد بناءه، ونسقي مبادئه وأشجاره حتى تصبح الحياة فردوسًا من الكمال المقدس.
ومن أخلاق الحسين (عليه السلام) النظافة في القلب، واللسان، والمعتقد، والحال، والزمان، والمكان.
ونحن عشاق الحسين الذين ذابوا فيه وفي قيمه ومبادئه حتى انصهروا، وصارت كل ذرة في أجسامهم تنادي: يا حسين. وكيف لا تكون أرواحنا فداء للحسين وقد عشقته السماء عشقاً بلا حدود، ثم نثرت عشقه على كل الخلائق.
وتجسيدًا لبعض أخلاق الحسين يجب أن تكون مآتمنا في عاشوراء كما يحبها الحسين.. تحمل الفضيلة، والعفة، والكرم، وحسن الخلق، والتكافل، والإيثار، والحب، والذوق، والأدب الرفيع. كما تجسد النظافة التي يضوع عبيرها من الدين السماوي.
إن نظافة دور الحسين، وما جاورها من أماكن، وطرقات، وسواها؛ مسؤولية عظمى وضرورية، وواجب أخلاقي تقتضيه المروءة فضلًا عن التوجيه الشرعي.
لنحيي الحسين بأعمالنا، وثقافاتنا، وسلوكنا في هذه المآتم.
الحسين هو الانعكاس الحقيقي لجمال السماء؛ لذلك ينبغي لشيعته أن يحيوا هذا الجمال بجمال أرواحهم وقلوبهم وأماكنهم.
لتكن أماكننا العاشورائية طاهرة نظيفة، ومنظمة تعكس منهاج الصالحين، ولا تشكل عبئًا على أحد مهما كان؛ حتى نكون عشاق الحسين الذين اقتفوا أثره وأحيوا سننه.



