قالوا: هذا هو الأرز الذي نأكله!

الأرز حبوب بيضاء تنتفش بعد طهوها في الماء، وتتحول إلى طعام مستساغ يملأ الأطباق، ويشبع البطون، هو المحصول العجيب، طعام الأكابر والأصاغر، الذي لا تخلو مائدة من موائدنا منه، بل قد لا نقيم وزناً لوجبة غذاء بلا أرز.
رغم مرور الأيام وتغير الأحوال، رأينا كيف أن الأرز ما زال يحافظ على مكانته القديمة، والشيء الذي أجمع عليه معظم أهل الخليج، هو وجود الأرز بشكل أساسي في وجبة يومية على الأقل، والأمر الثاني هو تفضيل بعض أنواع الأرز مثل البشاوري أو البسمتي المألوف في منطقتنا، والمزة الأمريكي على الأنواع الأخرى.
هناك خصائص تحكم جودة الأرز منها: درجة نظافته وخلوه من الشوائب والمواد الغريبة والحبوب السوداء والتالفة والمكسورة، ودرجة تجانسه وشفافيته، وطول حباته، ودرجة تحمله للنقع الطويل والغلي، ودرجة امتصاصه للماء بعد الطهو، ودرجة احتفاظ الحبة بشكلها وعدم تعجنها أو التصاقها أو تجلدها بعد الطهو، قوة الرائحة الزكية بعد الطهو، زمن تعتيق الحبوب في المخازن.
المشكلة التي تواجه محصول الأرز وتسيء إلى جودته هي الإصابات الفطرية والحشرية والقوارض، واللجوء إلى المبيدات الحشرية والمبالغة في استخدامها من أجل حماية المحصول من تلك الإصابات والآفات الزراعية، يثير قلق ومخاوف المستهلكين من خطر الملوثات الضارة بالصحة.
من هنا فإن مختبرات الهيئة العامة للغذاء والدواء تحرص على إخضاع معظم إرساليات الأرز للفحص المخبري، وخصوصاً بقايا المبيدات الحشرية والسموم الفطرية والمعادن الثقيلة والنقاوة.
وقد أظهرت نتائج تقدير متبقيات المبيدات الحشرية والفحوصات المخبرية الأخرى في مختبرات الهيئة مطابقتها وصلاحيتها للاستهلاك الآدمي، وهذا يؤكد مأمونية وسلامة الأرز المتواجد في الأسواق المحلية.
• تم التأكيد على المستوردين بضرورة إرفاق تقرير فحص مخبري لبقايا المبيدات الحشرية من مختبرات معتمدة والتأكد من صحتها ومطابقتها للوائح الفنية والمواصفات المعتمدة الخاصة بالأرز.
• تقوم الهيئة بدور كبير في تأمين وصول الغذاء إلى المستهلك بسلام بشكل يضمن خلوه من أيّ ملوثات أو غش يُهدّد حياته.
وكأي مادة غذائية فإن الأرز لا يخلو من الاتهامات والأقاويل، فالضجة التي أثيرت عما يسمى الأرز الاصطناعي أو البلاستيكي، وتواجده في أسواقنا المحلية، ويباع على أنه أرز طبيعي، نشرت الذعر والتخوفات بين الناس، والأرز بريء.
والأمر في حاجة إلى إيضاحات وإضاءات سريعة حوله.
في البدء يجب أن يقترن حديثنا بالدقة العلمية والمصداقية، بجانب عدم إثارة الزوابع والصيحات والاتهامات حول ما زعم بأن البلاستيك دخل في أغذيتنا وسبب لنا أضراراً على صحتنا دون إثبات، ووضع قيمة الإنسان وصحته هدفاً أساساً فوق الاعتبارات المادية، فالضجيج الإعلامي وعرض بعض العلامات التجارية لمستوردين وتجار محليين في دائرة الاتهامات للأضرار بهم، وزرع الخوف والتهويل بالمستهلك لا توصل إلى الحقيقة.
إذًا ما حقيقة الأرز الذي نأكله؟
الإجابة عن ذلك التساؤل تتلخص في الآتي:
أولاً - مقطع الفيديو المتداول والذي تم الاستناد عليه واستغل على أنه مصنع ينتج أرز بلاستيكي، غير صحيح، والواقع ومن خلال سير أو خطوات الإنتاج يتضح أن الحبيبات الناتجة والتي تشبه حبوب الأرز، هو لمصنع في الصين يقوم بعملية إعادة تدوير لبعض المنتجات البلاستيكية وينتج مواد على شكل حبيبات تسمى البوليمرات Polymers، تجهز وتعبأ لمصانع أخرى لاستعمالها كمواد خام في تصنيع بعض المنتجات البلاستيكية كأكياس حفظ الأطعمة والنفايات وسفر الطعام، والذي يزور تلك المصانع يرى تلك الحبيبات.
• معظم أنواع البلاستيك يستفيد من خاصية إعادة التدوير recycling لإعادة تشكيله، وهذا يعني أنه بعد تصنيعه يمكن أن يشكل من جديد مرة ومرة ومرات أخرى.
ثانياً - بعض المقاطع المتداولة بهذا الخصوص أعدت من أجل تهويل وتخويف الناس من تواجد أرز بلاستيكي في الأسواق، في حين أن الأدلة المستندة على ذلك ليس لها أساس علمي وهي غير مقنعة لمعظم الناس، وطريقة تشكيل حبات الأرز المطبوخ وتكويرها والضغط عليها والتصاقها وقدفها وتراقصها مثل الكرة ليس دليل إثبات، لوجود صنف من الأرز يسمى "أرز شمعي Glutinous rric" أرز أبيض معظم محتواه النشوي من الأميلوبكتين يجعل له خاصية الالتصاق مع بعضه بعد الطهو.
ثالثاً - كون الأرز يعتبر الوجبة الرئيسة المغذية والمفيدة، سيد المائدة وعريس السفرة السعودية مند القدم، أعطت المستهلك السعودي ميزة وخبرة خاصة اكتسبها من خلال طريقة أعداده وتجهيزه لمختلف أطباق الأرز، وكذلك القدرة على اختيار أفضل أنواع الأرز بناءً على أسس ومعايير جودة، وكيف لو كان الأرز مغشوشاً!!
رابعاً - الخواص الفيزيائية لحبيبات الأرز الطبيعية واضحة قبل وبعد الطبخ، بينما لو كان صناعياً لشاهدنا خواصاً فيزائية مغايرة تماماً، كالتعجن والتلاصق وعدم الانتفاخ، وصعوبة مضغه قبل بلعه، والرائحة الغريبة، وانبعاث أبخرة مواد عديدة الكربونات.
خامساً - جميع الإحصائيات الصادرة من مختبرات وزارة التجارة والصناعة سابقاً، والهيئة العامة للغذاء والدواء لم يدرج فيها رفض إرسالية أرز لكونها أرزاً بلاستيكياً، إنما اقتصر الرفض على الفحوصات الكيميائية والجرثومية والنقاوة.
قدمت كل هذا لأقول: لا توجد مبررات تجعلني أميل لتصديق بوجود ما يدعى "الأرز البلاستيكي" بحكم عملي وخبرتي لفترة طويلة في مجال الفحوصات المخبرية، وأيضاً بصفتي السابقة كرئيس قسم المطابقة، لا أخفي إن قلت إن الاختبارات والتقارير المخبرية تشيران إلى خلاف ذلك.
كما أن الأجهزة الرقابية التابعة للهيئة العامة للغذاء والدواء، مزودة بأجهزة متطورة وكوادر فنية مدربة، قادرة على القيام بواجبها وحماية الناس من الملوثات الضارة من خلال تطبيق اللائحة الفنية القياسية المعتمدة (GSO 1003/ 2012).
وكان للهيئة بيان توضيحي عبر موقعها الإلكتروني يفيد باتخاذ جميع الإجراءات الاحترازية اللازمة لمنع دخول مثل تلك الأصناف في الأسواق المحلية.
بعد اتضاح الصورة حول حقيقة الأرز الذي نأكله، نقول إن التعمد بإلحاق الضرر بالآخرين جريمة نكراء لا يرتضيها ديننا الحنيف وتمقتها المبادئ والأخلاق الفاضلة.
مثل هكذا مقاطع وأقاويل وما يشاع، والتسرع بنشرها وتداولها بين الناس بمرتكزات واهية واتخاذ قرارات وقناعات لا تقبل الطعن دون تَحرَّ علمي، ما هي إلا أكاذيب طالت التاجر والمستهلك دون وجه حق.
مثل تلك المقاطع حينما تصلنا يلزم التأكد من حيثياتها وأهدافها حتى لا نكون قد شاركنا بقصد أو بدون قصد في حملات التضليل والخداع.
نضع مخافة الله أمامنا في كل تصرف نقوم به.
منصور الصلبوخ
اختصاصي تغذية وملوثات



