فتى الادغال وابن يقظان

في التسعينياتِ من القرن الماضي كنا نستيقظ على صوتٍ في التلفاز، يحكي قصةَ فتًى تاهَ في الأدغالِ والغابات، استمتع الكبارُ والصغار بما يحصل لذلك الفتى من أحداثٍ في مغامراته، قصة "ماوكلي" هي ذاتها تقريبًا قصة حي بن يقظان التي ابتدعها الفيلسوف المسلم ابن سينا قبلَ عدة قرون، وكتبها الكاتبُ البريطاني "روديارد كيبلينغ" بعنوان "كتاب الأدغال"، وخرجت من التلفازِ الياباني عام ١٩٨٩م، قصةٌ تحكي سلوك البشر، وطبيعة البحثِ العقلي والنفسي عندما يعيشون بعيدًا عن صنفهم من البشر، فيما بين القصتين شبهٌ كبيرٌ في الأحداثِ مع اختلافٍ كبير في العمقِ والنتائج.
تبدأ مغامراتُ الصبي "ماوكلي" كما ابن يقظان، بموتِ والديهِ في رحلةٍ استكشافية في أدغالِ الهند، وبعد موتهما بدأ النمرُ الأسود وصديقه الدب بإطعامِ ماوكلي وتربيته، وأخذت عائلةٌ من الذئابِ ماوكلي للعيشِ بين إخوتهِ الذئاب الصغار، يكبر الفتى ماوكلي، ويصبح غلامًا واعيًا لما حوله، ولكثرةِ ارتباطهِ بالذئاب، والمدة الطويلة التي عاشها بينهم؛ تعلمَ لغتهم ولغةَ الحيواناتِ الأخرى.
احترقت الغابةُ التي يعيش فيها الذئاب وماوكلي بعدما كبر، وهرب الجميعُ إلى ناحيةِ النهر فاعترضهم النمر شريخان الذي يكره البشر؛ لأنهم فقؤوا إحدى عينيه، ويخرق قوانينَ الغابة، أراد شريخان أخذَ ماوكلي فجاء الذئب "والد ماوكلي"، ووقف أمامَ شريخان يريد محاربته، لكن شريخان هزمَ الأبَ الذئب وقتله، ولم يستطع ماوكلي فعلَ أي شيءٍ هو و إخوته الذئاب، بدأت كراهيةُ ماوكلي لشيريخان، والتفكير بالانتقامِ منه، وخاضَ معه قتالًا؛ ليقضي عليه ويثأر لموتِ أبيه أليكساندر، وفي نهاية المغامرة عادَ ماوكلي إلى القريةِ للعيشِ مع بني جنسه من البشر.
كان حي بن يقظان روحيًّا عميقًا، حين بحثَ عن حقائقِ الكون، وحب خالقه "واجب الوجود"، أما فتى أدغال الكاتب البريطاني روديارد كيبلينج، الذي حاز على جائزةِ "نوبل" في الأدب عام ١٩٠٧م فقد جاءَ جسديًّا، يهيم في الهيمنةِ، والبطش، والحبِّ البشري مع جمالِ السرد، رحلةٌ بدأها حي بن يقظان من رحمِ الشرقِ روحًا وجسدًا، وعاد فيها ماوكلي وطرزان من الغربِ جسدًا دونَ روح.
في المرةِ القادمة حين يرى أطفالكم طرزان وماوكلي فهما ليسا إلا شخصيةً ولدت من فلسفةِ وأدبِ الشرقِ بأسماءٍ شرقية، وانتهت في أدبِ وفنون الغرب بأسماءٍ غربية!
—-
هلال الوحيد
مستشار أعلى هندسة بترول



