عودة الحيوان والطير من غربته

كان يوم الجمعة ٣ نيسان/أبريل ٢٠٢٠م أول يوم تبدأ فيه فترة حظر السير والتجوال من الثالثة بعد الظهر حتى الساعة السادسة صباحًا. انقطعت حركةُ السير وخفت الضوضاءُ بشكل لم نعتدهُ في هذا الوقت من قبل، ولعل هذا يكون الحدث الأوحد الذي نرى فيه هذا الكم من السكونِ والفتور البشري، فمن كان يتوقع حدوثه؟
في هذه الفترة من زمن الجائحة انكفأ غزو البشر لمعاقل الطيور والحيوانات في معظمِ أنحاء العالم، فسرعان ما أدركت هذه المخلوقات بفطرتها أن الزمانَ والمكانَ أصبحا أكثر أمنٍ لها، فخرجت في احتجاجٍ مسالم واستعادت الأرضَ والسماءَ وإن مؤقتًا قبل أن يخرج البشرُ من الأزمة ويردون الصاعَ لها بأصواع.
يقول الخبراء إن سلوكَ البشر يغير من سلوكِ الحيوان والطير بدلالة دراساتٍ جرت في أمريكا وأوروبا، فحينما يرتفع الضجيج الذي يصنعه البشر تخفض الطيور أصواتها وتقلل من تردداتِ نغمات أغانيها وتغريداتها وتقل أعدادها، وبالفعل فقد لاحظَ المختصون تناقص أعدادِ الطيور بشكلٍ مخيف في أمريكا وكندا. أما الآن، وقد خلا لها الجو من إزعاجِ البشر، فأصبحت نغماتُ أصواتها أجمل وأعلى وسوف يلاحظ البشر أعدادًا أكبر من الطيور قربَ مساكنهم وأماكن تواجدهم إن طالت المدة.
على كل حال، في هذه الفترة أو فيما بعدها، تعالي أنتِ أيتها الطيور، أطربينا بأَلحانكِ، لكِ كل أشجارنا وشُرفاتنا وحَدائقنا، وسوف نعطيكِ الماء والحب، وسوف نغني لكِ أبيات طرفة بن العبد:
يـا لـكِ مـِنْ قُـبّـرَة ٍبمـعمـرِ
خلا لكِ الجوّ فبيضي واصفِري
قد رُفِعَ الفـَخُّ، فماذا تَحْذَري؟
ونقـّري ما شِئـتِ أن تُنقّـري
قد ذَهَبَ الصّيّادُ عنكِ فأبشِري
لا بدّ يوماً أن تُصادي فاصبري
وفي هذه الفترة شوهدت في العديد من المدن حيواناتٌ أليفة وغير أليفة كالغزلان والماعز والديكة الرومية والقردة والخنازير البرية تتجول في المدن المهجورة من ساكنيها، في الأماكن التي خسرتها للبشر فَاستردتها الآن. إذن هي حالة فريدة حين يدفن البشر رؤوسهم في مشاهدةِ المقاطع والصور وأجهزة التواصل الاجتماعي عن بعد، غير مدركين الجزء الآخر من الحياة والطبيعة والذي ظهر وبان في وقت احتجزتهم في منازلهم مخلوقاتٌ صغيرة لا يستطيعون أن يروها.
لن نرى هذه المشاهد حولنا حيث لا وجودَ للكثير من أصناف الحيوان، مع أن بيئتنا كانت غنية بالحيوانات الثديية والبرمائية والطيور والزواحف التي اختفت تقريبًا. هذه الأوقات بمثابة تذكير للبشر أينما كانوا بأن الحيوانات عاشت دائمًا في المناطق التي يسكنونها، وهم لا يفكرون أبدًا أن أماكن سكنهم وتسوقهم هي جزء من الطبيعة، لكنها كذلك!
من المؤسف حقًا أن تبرز هذه الجائحة الضارة خللَ العلاقة بين الإنسانِ والطبيعة، ويبقى السؤال: هل يعود سلوكُ البشر بعدها كما كان قبلها؟ من المرجّح أن يكون الجواب: نعم سوف يعود!



