أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

خواطر لابد منها ٢٢/٢

السيد نعمة الشبركه · القطيف اليومالأربعاء 19 أغسطس 2020، 9:26 ص
خواطر لابد منها ٢٢/٢

العصمة.
عصمة الأنبياء والرسل والأوصياء.
إكمالًا للخاطرة السابقة حول مبحث عصمة الأنبياء والرسل والأئمة صلوات الله عليهم تقدم تعريف العصمة لغة واصطلاحًا وحول خصوصية العصمة واللطف، وفي هذه الخاطرة نتكلم حول ملاكات العصمة.
ذكروا أن للعصمة ملاكات وسنتعرض لها باختصار.
من المباحث المهمة المتعلقة بالعصمة هو البحث حول ملاكها.
ملاكات العصمة:
أولًا: لابد لنا من معرفة معنى الملاك حتى يتضح لنا المطلب.
معنى ملاك: مَلاَكُ الأَمْرِ: قَوَامُهُ وَعُنْصُرُهُ الأَسَاسِيُّ.
ملاكُ الأمرِ: مَلاَكه؛ نظامه، قوامه وخلاصته أو عنصره الجوهريُّ.
والمقصود هنا من ملاكات العصمة: الشيء الذي يتحلى به المعصوم بحيث يمتنع صدور المعصية منه أو الاشتباه والغفلة حتى في القضايا السياسية والاجتماعية والطبية وغيرها، ليس في تبليغ الأحكام فقط حيث إطلاقات الأدلة النقلية والأدلة العقلية تقتضي أن يكون كذلك.
بعبارة أخرى هي المؤهلات الداخلية التي تجعل منه مكانًا يتلقى ما يمتنع غيره عن تلقيه.
بعبارة أخرى: مؤهلات في نفسه وروحه بالإضافة إلى مؤهلات أخرى.
من أراد زيادة في المعرفة فليراجع الكتب المطولة المختصة في ذلك.
نذكر هنا بعض ملاكات العصمة منها:
١ - العلم:
الإنسان إذا أراد أن يعمل عملاً فلا بدّ من وجود صورة كافية لديه عن ذلك العمل ولابد أن يحصل له العلم بذلك العمل.
في ملاكات العصمة يذكر المختصون أنّ العلم الحضوري بالله تعالى هو أول ملاكات العصمة.
* هناك جملة من الفلاسفة المسلمين قسموا العلم إلى قسمين:
أ - حضوري:
العلم الحضوري من المصطلحات الفلسفية والمنطقية وهو: (حضور نفس المعلوم لدى العالم).
يعني حضور حقيقة الشيء المراد العلم به لدى نفس العالم لا حضور الصورة العلمية للشيء فقط.
مثال ذلك:
علم الإنسان بألمه وجوعه مثلًا فالجوع في واقع الأمر حاضر بنفس حقيقته في نفس الإنسان العالم لا أنّ العالم الجائع وفي تََحَقُّق علمه بألمه أو جوعه يتم من خلال حضور صورة ألمه وجوعه فقط كما هو حاصل في العلم بالمعلوم الحصولي الذي في تحقق العلم به يكفي حضور صورته العلمية لا.
في العلم الحضوري يحتاج لأن يكون الشيء المعلوم بالعلم الحضوري حاضراً بنفس حقيقته في ذهن العالم ونفسه.
ب - حصولي:
هو كذلك مصطلح فلسفي ومنطقي وهو ما يقابل العلم الحضوري وهو: (انطباع صورة الشيء المعلوم في الذهن).
أو قل (حضور صورة الشيء المعلوم في الذهن).
أي أنّ الفرد إذا أراد أن يحصل له العلم بشيء من الأشياء لابد أن تحضر أو تنطبع - صورة الشيء الذي يريد أن يعلمه - في ذهنه.
وإذا لم تحضر صورة هذا الشيء يكون من المجهولات لدى الإنسان الذي يريد أن يعلم.
بعبارة أخرى: هو العلم الذي يتحقّق للعالم من خلال حضور صورة الشيء العلمية كما هو حال كل العلوم المتعارفة بين النّاس.
مثال ذلك:
- علم الإنسان أنّ واحدًا مع واحد يساوي اثنين.
- غليان الماء يحصل عندما تبلغ درجة حرارته (١٠٠) درجة مئوية والتي تساوي (٢١٢) فهرنهايت.
فتحصيل العلم بمثل هذه القضايا غير متوقف على حضور عين الشيء المعلوم بل تكفي فيه حضور صورة الشيء العلمية.
بمعنى آخر أن العلم الحصولي هو العلم الذي يحتاج في تحققه لدى الإنسان إلى حضور صورة الشيء المعلوم لا نفس حقيقة الشيء المعلوم كما هو حال العلم الحضوري.
* لمن يريد التوسع يراجع كتاب المنطق للشيخ المظفر عليه الرحمة.
٢ - العلم القطعي بعواقب الأمور:
أن يشهد المعصوم عياناً آثار كل الأعمال ونتائجها من الطاعات والمعاصي فلا تكاد تفارقه الجنة ونعيمها كما لا يغيب عنه الجحيم وآلامه.
هناك من يرى أن منشأ العصمة أيضًا هي نتيجة العلم القطعي بعواقب المعاصي بمعنى أنّ المعصومين يعلمون باطن المعاصي والذنوب والآثار السيئة التي تترتب عليه علمًا حضوريًا بنحو كأنهم يرونها ويلمسونها ومن هنا ينتفي عندهم حتى قصد المعصية ونيّة الخوض فيها.
٣ - التقوى:
التقوى لغة: الحفظ والحراسة.
التقوى اصطلاحاً: حفظ النفس عن مخالفة الله جلّ وعلا بفعل ما أوجبه وترك ما حرمه.
دروس في الأخلاق ج١ ص٤١.
ذكر القرآن الكريم التقوى في مواضع عديدة منها:
قال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}.
قال تعالى: {لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْم أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ}.
قال تعالى: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}.
فمواظبة الإنسان على فعل الواجبات وترك المحرمات توجب حصول ملكة في النفس تسهل عليه الإتيان بالأفعال والانتهاء عن التروك وإن كانت مخالفة لميوله وأهوائه.
التقوى كيفية نفسانية تعصم صاحبها عن اقتراف كثير من القبائح والمعاصي.
التقوى مراتب "١" فعندما يتدرج الإنسان في هذه المراتب تتدرج معه في مراتب الكمالات فيزداد في إتيان الواجبات والابتعاد عن المحرمات فإذا وصل إلى أعلى مراتب التقوى بلغ درجة العصمة الكاملة وامتنع عن ارتطاب كل قبيح بل يمتنع عن التفكير في المعصية.
أُجملت مراتبها التي وردت في القرآن الكريم إلى مرتبتين هما:
مرتبة التقوى:
وهي مرتبة تنال عندما يطاع الله سبحانه ولا يعصى ويخضع له فيما أعطى أو منع بقدر استطاعة كل فرد. الطباطبائي تفسیر الميزان ج ٣ ص ٤٢٠.
يستفاذ ذلك من قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}.
مرتبة حق التقوى:
وهي اجتناب مشاهدة وجود الخلق مع وجود الخالق "١" وهي العبودية التي لا تشوبها إنية ولا غفلة، وهي الطاعة من غير معصية والشكر من غير كفر، والذكر من غير نسيان "٢"
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾.
١ - الآملي تفسير المحيط الأعظم ج١ص ٢٨٣ - ٢٨٤.
٢- الميزان ج٣ص٤٢٠.
٤ - الحب:
مما لا شك ولا ريب فيه أن الله جلّ وعلا هو المستجمع لكل الكمالات بل هو الكمال المطلق وكونه عزّ وجلّ بهذه الصفة من البديهي أن من يعرفه سيحبه حبًّا حقيقيًا ومقتضى هذا الحب هو عدم إتيان ما يخالف رضى هذا المحبوب وأن يلتزم بما يحب هذا المحبوب.
ومن هنا قالوا: "وليس معنى العصمة أنّ الله يجبره على ترك المعصية بل يفعل به ألطافاً يترك معها المعصية باختياره مع قدرته عليها". حق اليقين السيد عبدالله شبر ١ : ٩٠.
أهمية العصمة ووجوبها عقلاً:
إنّ الواسطة بين اللَّه وعباده ـ أي النبي ـ يجب أن يكون معصوماً بمعنى أنّه يجب أن يتمتع بملكة نفسانية صلبة قوية تمنعه من ارتكاب المعصية حتى في أشد الظروف.
ومن أين تنبع هذه الملكة؟!
١ - من الوعي والإدراك بقبح المعصية.
٢ - الإرادة القوية لضبط الميول النفسية.
وكيف تتحقق هذه الإرادة؟
تتحقق: بالعناية الإلهية الخاصة.
يقول العلم الحبر الشيخ محمد رضا المظفر عليه الرحمة: "ونعتقد أنّ الإمام كالنبي يجب أن يكون معصوماً من جميع الرذائل والفواحش ما ظهر منها وما بطن من سن الطفولية إلى الموت عمداً وسهواً كما يجب أن يكون معصوماً من السهو والخطأ والنسيان لأنّ الأئمة حفظة الشرع والقوّامون عليه حالهم في ذلك حال النبي صلى الله عليه وآله والدليل الذي اقتضانا أن نعتقد بعصمة الأنبياء هو نفسه يقتضينا أن نعتقد بعصمة الأئمة بلا فرق". عقائد الإمامية - الشيخ محمد رضا المظفر - الصفحة ٦٧.
قال المحقق اللاهيجي عليه الرحمة: "والحق وجوب العصمة لأنّه كما أنّ وجود الإمام لطف كذلك تكون العصمة لطفاً بل لطفية وجوده لا تتحقق دون العصمة". رأس مال المؤمن ص ١١٤.
أمّا الدليل على العصمة:
لو أن النبي لم يكن معصوماً لكان محل استنكار من الناس ومورد عتاب منهم ولذلك تشير الآية المباركة لهذا المعنى.
قال تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ}.
قال تعالى: {لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُون كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ}.
لذلك من الطبيعي جدًا أن يكون النبي معصومًا يأتمر بما يؤمر وينتهي عمَّا يُنهى لماذا؟!
١ - حتى لا يُنكر عليه.
٢ - حتى يحصل الوثوق به وبتبليغه ويُعتمد عليه في إخراج الناس من الضلالة إلى الهدى من الظلمات إلى النور.
نعم "إنّ الأمر الذي تتحقق به العصمة نوع من العلم يمنع صاحبه عن التلبس بالمعصية والخطأ وبعبارة أخرى علم مانع عن الضلال كما أنّ سائر الأخلاق كالشجاعة والعفة والسخاء كل منها صورة علمية راسخة موجبة لتحقق آثارها مانعة عن التلبس بأضدادها من آثار الجبن والتهور والخمود والشره والبخل والتبذير". الجواهر النورانية رضوان سعيد فقيه ص ١٥١.
فقال الخواجة نصير الدين الطوسي: "ولما كان علة الحاجة إلى الإمام عدم عصمة الخلق وجب أن يكون الإمام معصومًا". قواعد العقائد الخواجة نصير الدين الطوسي.
ويصاغ الدليل العقلي كذلك:
إن انتخاب الله تعالى للأنبياء والرسل والأئمة عليهم السلام يقتضي بالدليل العقلي عصمتهم من الذنوب لأنّ صدور المعصية أو ما لا يتناسب مع شأنهم العظيم سيسقطهم عن كونهم قدوة للآخرين باعتبار أن معصيتهم أو صدور ما يقلل من شأنهم يحصل عند الناس شك في صدقهم وبذلك تتزلزل عقيدتهم بهم.
ولذلك قال علماء الإمامية:
نعم لو غضضنا النظر عن الأدلة النقلية فمن الطبيعي جدًا سيقال لو جاز للنبي أو الرسول أو الإمام أن يسهو في فعل من الأفعال أو أخطأ في تشخيص موضوع من الموضوعات أو في أي علم من العلوم أو في معالجة من المعالجات فذلك يعني أننا سنشك فيه وإذا شككنا فيه فيسري الشك إلى تبليغه.
وإذا سرى الشك إلى تبليغه هل يمكن الوثوق بتبليغه؟
الجواب:
كلا لا يمكن الوثوق بتبليغه إلا إذا كان معصومًا عصمة مطلقة.
وإلا لا يحصل الوثوق بتبليغه كيف لا يحصل الوثوق بتبليغه؟
نحن إذا رأينا الإمام أخطأ مثلًا في صلاته أو سهى أو غفل في صلاته أو يتوضأ فيخطئ في وضوئه هل يمكن أن يحصل لنا الوثوق إذا نقل لنا حكمًا أو قال لنا تشريعًا من التشريعات الإلهية بأنه لم يخطئ في تشريعه وأنه لم يخطئ في حكمه نقول لعله كما أخطأ في صلاته أو في وضوئه سيخطئ في تبليغه وفي تشريعه.
نكرر ونقول فما الذي يضمن لنا ألا يصدر منه تشريع خطأ؟!
ما الذي يضمن لنا ألا يصدر منه حكم خطأ؟!
وقد جازه عليه الخطأ في سلوكه وفي فعله وتشخيصه للموضوعات الخارجية أو خطأه في العلوم الإنسانية أو غيرها من الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وما إلى ذلك من العلوم الأخرى.
إذن هذا ما يعبر عنه علماؤنا المتكلمون بنقض الغرض ونقض الغرض قبيح.
فوثوق الناس بقوله في جميع الجوانب الحياتية - حيث نعلم صدور كثير من العلوم السياسية والاجتماعية والفلسفية والطبية وغيرها من العلوم - لا يحصل إلا إذا كان معصومًا عصمة مطلقة ولو لم تكن عصمة مطلقة فلم يحصل الوثوق في قوله فهذا خلف للغرض. وتخلف الغرض قبيح على الله تبارك وتعالى جلّ شأنه.
كيف لنا أن نثق أو نضمن أن ما أتى به من تشريع لا يشوبه الخطأ أو الاشتباه والغفلة في تبليغه أو مطلق ما يصدر منه؟!
لا يمكن ذلك إلا بالقول بالعصمة المطلقة في كل شيء في التبليغ وغيره.
قال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}.
لسلامتك وسلامة عائلتك ومجتمعك ووطنك ابق متبعا لنصائح الجهات المسؤولة.