أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

المرحوم الصفار مسيرة بذل وعطاء

محمد الشيوخ · القطيف اليومالأحد 6 سبتمبر 2020، 10:21 ص
المرحوم الصفار مسيرة بذل وعطاء

ما بين ميلاده بداية شهر مارس عام 1954م وحتى وفاته بداية شهر أغسطس عام 2020م، رحلة حافلة بالعطاء والإنجاز، ناهزت 66 عامًا، قضاها الفقيد السعيد الحاج المؤمن علي عبد الله الصفار، والذي بفقده أفجع قلوب محبيه وفقدت تاروت أحد أبرز خيرة رجالها الخيرين.
ولد الراحل أبو حسين في جزيرة تاروت، وترعرع فيها كسائر من ولدوا ونشأوا فيها إلا أنه ترك أثرًا طيبًا في حياته وسيظل صداه لأمد طويل، بعد ارتحاله إلى جوار ربه. السر في ذلك يكمن فيما تميز به من حسن أخلاق ونقاء قلب وما قدمه من عطاء لمجتمعه. وكان منذ نعومة أظافره، لصيقًا بمجالس الذكر، مما أتيحت له الفرصة في أن يتشبع باكرًا بمفاهيم العطاء والبذل والتطوع والإنفاق وخدمة الناس وقيم الأخلاق وحسن العشرة مع جميع الناس، وبلا استثناء.
انحدر المرحوم من أسرة عرفت بالمحافظة والتدين، وتربى على يد أبوين مؤمنين. وكان والده الوجيه المؤمن الحاج عبد الله الصفار «أبو علي» -رحمه الله-، الذي أسس مجلسًا للذكر في منزله بتاروت (الدشة)، قبل نصف قرن من الزمان، كان هو الآخر، لصيقًا بمجالس الذكر، سيما مجالس الإمام الحسين "ع". اشتهر مجلس العائلة المبارك باستقبال الناس وتلاوة القرآن الكريم في شهر رمضان وإقامة مآتم عزاء الإمام الحسين "ع"، وما يتخلله من وعظ وإرشاد أسوة ببقية مجالس الذكر في المنطقة. بعد وفاة والده (أبو علي) -رحمه الله- استمر المجلس تحت عناية وإشراف أبنائه سيما الابن الراحل (أبو حسين)، بوصفه الأكبر من الذكور، ولايزال المجلس قائمًا، وسيستمر - بمشيئة الله - ببركة جهود الإخوة والأولاد والأحفاد، وذلك لإكمال مسيرة الخير والبذل والعطاء.
بدأ الفقيد السعيد أبو حسين رحلته العملية في مرحلة الشباب كموظف في شركة كانوا عام 1977م بمدينة الدمام، وذلك بعد تخرجه في المرحلة الثانوية التجارية بمحافظة القطيف، ثم التحق بشركة كهرباء الشرقية (سكيكو). وفي عام 1982م، أي بعد عام تقريبًا، من التحاقه بالشركة، ابتعث إلى الولايات المتحدة الأمريكية لإكمال مرحلة البكالوريوس (تخصص اقتصاد وإدارة أعمال). وبعد عودته لموطنه عام 1986م، تدرج في عدة وظائف في ذات الشركة أبرزها: ممثلا للعلاقات الحكومية، ثم مديراً لدائرة تصميم الهياكل التنظيمية ثم مستشاراً لرئيس قطاع التنظيم وتخطيط الموارد البشرية. وبعد ذلك أصبح مديراً لإدارة التنظيم وتخطيط القوى العاملة بالشركة، مما يدلل على فاعليته وعلو همته وينم أيضًا عن ذكائه المتوقد وطموحه العالي.
وفي عام 1995م عمل الراحل على تأسيس مشروعات تجارية خاصة بمعية إخوانه كمؤسسة للمقاولات العامة ومواد البناء وأنظمة العزل وتجارة المواد الغذائية، وكان هو الرئيس التنفيذي لتلك المشروعات، والذي كان جزءًا من ريعها يسهم في أعمال الخير ومساعدة بعض المحتاجين في المنطقة. بعد تقاعده أواخر شهر مايو من عام 2012م تفرغ بصورة أكبر لإدارة مشروعاته الخاصة. ولكنه خصص جزءًا كبيرًا من وقته أيضًا للأنشطة الاجتماعية ودعم الأعمال والأطر الخيرية، ماليًا ومعنويًا وفكريًا، كجمعية تاروت الخيرية مثلًا، والذي كان أحد أعضاء فريق الهيئة الاستشارية لمجلسها الحالي، مما ساهم في توسيع رقعة علاقاته الاجتماعية ورسوخها. وهذا ما تجلى واضحًا فور سماع نبأ وفاته - رحمه الله.
قطعًا لن نستطيع، من خلال هذه السطور المتواضعة، إحصاء جميع إسهامات الراحل الخيرية والمتنوعة، سواء ضمن الجمعية أو خارج أسوارها، وكذلك حصر مناقبه الأخلاقية الكثيرة، كما لن نتمكن أيضًا من إيفائه حقه المستحق عبر هذه المساحة المحدودة. لذا سنكتفي بنقل بعض ما سمعناه أو اطلعنا عليه من خصال ومآثر المرحوم، سواء ما ورد منها على لسان بعض زملائه في الجمعية أو ما كتبه عنه بعض أصدقائه الأوفياء أو فيما صرح به بعض أفراد أسرته، كنماذج وأمثلة ليس إلا، لعلنا بذلك نتمكن من الإحاطة ببعض أبعاد شخصية الراحل المتميزة رحمه الله. فهذا على سبيل المثال، رئيس مجلس إدارة جمعية تاروت الأستاذ محمد الصغير يعبر عن بالغ حزنه وألمه بفقده قائلًا: "ما يميز عضو المجلس الاستشاري الراحل الذي فقده مجتمعه وفقدناه أنه كان من أصحاب الأيدي البيضاء الذين يعملون بصمت وتفانٍ ولا تظهر أعمالهم الخيرية إلا بعد وفاتهم، مضيًا ذلك ما حدث فعلاً مما رأيناه منه طيلة وجوده معنا إلى جانب العديد من الرسائل والمكالمات التي وردت إلينا حول عطاءاته وخدماته النبيلة كالمساعدات المالية والعينية وقضاء حوائج بعض المحتاجين. كما كان داعمًا ومساندًا للجمعية بالرأي السديد ولاقتراحات البناءة، وكان أيضًا دائم الابتسامة والتواضع".
وفي مقالته بعنوان "أخي وصديقي ستبقى في القلوب" نعى الكاتب أحمد منصور الخرمدي صديقه الراحل بالقول: "حين ترحل الأحبة تصاب القلوب باضطراب شديد ما بين حزن وألم وبكاء. قلوبنا اليوم تنعى فراقك يا أخي أبا حسين، فقدناك بعد أن فاضت روحك الطاهرة مع ساعات الفجر في أيام الحج الأعظم، مع التكبير والنداء الرباني”لبيك اللهم لبيك“ فلبت روحك النداء"، مضيفًا: سيكون لفراقك أيها الأخ العزيز وحشة وحزن شديد، وستبقى ذكراك العطرة تطوف بقلوبنا، ولن تتوقف، فدموعنا ومشاعرنا المفجوعة والحزينة تضمدها ذكراك الحسنة وهي مصدر تنفيس وتهدئة لخواطرنا".
مؤكدًا: "لن ننسى أفضالك، ابتسامتك ودماثة أخلاقك، إنسانيتك السمحة الحانية العطوفة مع الكبير والصغير ومواقفك الاجتماعية العالية وتلك الخصائص الفريدة التي سوف تكون منقوشة وشاهدة لما قدمت وقمت به من الأعمال الخيرة في حياتك، ومنها ما ورثته أنت وإخوتك من والدكم الوجيه الحاج «أبو علي» -رحمه الله-، ومن أهمها وأعظمها استمرار مجالس العزاء الحسينية وفطور شهر رمضان الكريم، وكذلك استمرار مجلسكم الأسبوعي المفتوح للجميع. لن ننسى إخوتك ومحبتك للجميع واحترامك للكبير والصغير ولكل إنسان عرفك وجالسك وهي من الصفات الإنسانية النبيلة والخيرة التي ميزتك في حياتك".
ويشيد رئيس لجنة شؤون الموظفين والمرافق العامة وعضو مجلس إدارة جمعية تاروت الخيرية المهندس محمد النابود (أبو علي) بمزايا المرحوم المؤمن قائلًا: "كان من المساهمين الأساسيين في توفير علب ماء الشرب للمقبرة والمغتسل ولسنوات طويلة، كما كان من الداعمين لجميع أنشطة الجمعية المتنوعة، وكذلك من المساهمين المهمين في مشروع مبنى الذكر الحكيم والمبنى الإداري".
ويعبر صديقه الكاتب عبد الرزاق الكوي في مقالته التأبينية التي جاءت بعنوان "أبا حسين ستبقى علياً"، عن حسرته الشديدة وبالغ ألمه لفقد الراحل قائلًا: "بقلوب اعتصرها الألم والحزن تلقينا نبأ وفاة الأخ الغالي الحاج أبو حسين"، مضيفًا أنه يوم حزين بل كالح السواد، مخاطبًا إياه: "لقد تعجلت الرحيل ونحن ما زلنا بحاجتك بيننا كأخ لم تلده أمك. مؤكدًا أن للفقيد محبة خاصة في النفوس لدرجة أنه في كل فرصة تلتقيه تتمنى أخذه بالأحضان والقبلات، ويكون دائمًا هو السباق بفيض حنانه وطيب قلبه مع ابتسامة لم تفارقه أبدًا، حيث أحب الجميع بتواضعه وبشاشته فبادله الجميع بالحب وملك القلوب، وكان مثالًا للحب ليس على نطاق العائلة بل لكل من عرفه، وهم كثيرون.
وفي معرض تعداد مآثره قال: "كان يملك شخصية جاذبة وآسرة تجبرك على محبته واحترامه وتقديره، وحقا كان رسالة محبة ووئام واجتماع، وبهذا نهج مسيرة والده المرحوم الحاج أبو علي -رحمه الله- محبًا للفقراء إذ لا يكاد يخلو مجلسهم في شهر رمضان من حضور فقير يجلس معهم كأحدهم، مضيفًا: "لطالما كان يشعرك الراحل بأخلاقه وتواضعه وحكمته وطلته وروحه المرحة، وسنفتقده في كل مناسباتنا الاجتماعية حيث كان حريصًا على المشاركة، إذ كنا نعتبر وجوده معنا أشبه بربان لسفينة العائلة، كشجرة مثمرة يستظل الجميع بظلالها ويأكل الجميع من ثمارها، وكان الله في عون ذويه ومحبيه على عظم هذا المصاب، والفراغ الذي لا يسده غيره".
ويختم الكوي مقالته بقوله: "من يجلس معك لا يمل مجلسك، وما زلنا صغارًا بوجودك الكبير، ولم أسمع في حياتي أنك اختلفت مع أحد، بل أغبطك لكثرة محبيك ليس من العائلة فقط بل كل من تربطك معهم علاقة. ذهب من حياتنا أعزاء علينا وتألمنا لفقدهم والله أعلم يا أبا حسين أنت من الأعزاء وسيبقى لفقدك جرح على امتداد الأيام المتبقية من حياتنا.. ندعو لك أن تنام قرير العين فالعيون بعدك دامعة، نم يا طيب القلب، فالقلوب بعدك مكسورة، ونعزي بفقدك أنفسنا وتاروت كلها تعزيك كأنك من أبنائها البررة. لقد قلتها في حضرتك إني أحبك وأقولها الآن: إني سأبقى أحبك ما حييت، نحتسبك عند الله في جنان الخلد وستبقى القلوب موجعة بفراقك لكنها تدعو لك بالرحمة والمغفرة".
مضاف إلى ما قيل عن المرحوم الراحل من مزايا وخصال، سمعت شخصيًا ومن أكثر من طرف قصصًا وحكايا تؤكد أن الراحل كان يمتاز أيضًا بحسن التخطيط والتصرف في المواقف الصعبة والحكمة والحلم في معالجة القضايا والإشكالات، كما كان مهتمًا بالإصلاح بين الناس، وهي ميزات أساسية للقادة الاجتماعيين المصلحين المميزين، والذين يعول عليهم دائمًا في مسيرة الإصلاح والتغيير الاجتماعي. وفي حديث عابر، قبل أيام وجيزة، مع ابن المرحوم البكر الشاب (حسين) -حفظه الله-، بغرض التعزية والمواساة، تحدث معي بعفوية وبحسرة لا تخلو من الألم عن والده قائلًا: "ظننت أني أعرف أبي جيدًا طوال هذه السنين رغم أنه كان يعاملني كصديق وليس كابن، وكنت مطلعًا على الكثير من أسراره الخاصة، إلا أنني اكتشفت فور وفاته، من خلال أحاديث الناس سيما أصدقائه المقربين أن والدي أكبر مما تصورت في العطاء والبذل والإيثار وحسن الأخلاق"، مضيفًا: "كنت أسأل الوالد دائمًا أحيانًا عن بعض الأمور والقضايا الخاصة به، فكان يقول لي: ستعرف لاحقًا يا ابني إن شاء الله، وبالفعل اكتشفت - بعد فوات الأوان - أن العديد من أعمال الوالد الخيرية كان يؤديها بصمت دائما".
لقد فقدت جزيرة تاروت رجلًا مؤمنًا معطاء نبيلًا خلوقًا وكفءًا. كان يتمتع بحس قيادي خلاق ومزايا أخرى لا تزال مجهولة لدى الكثيرين، كما أسلف ابنه، وكان المجتمع بأمس الحاجة إلى وجوده ونهجه وطاقاته وجهوده الخيرية. ولكن ما عسانا أن نقول في إرادة الله التي شاءت أن يكون إلى جواره وفي ظل رحمته الواسعة، فرحمك الله يا أبا حسين وألهم ذويك ومحبيك الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.