هويتك المميزة

مرَّ مع مرور الزمن والأعمار ما لا تحصره الأقلام من البشر وانطوت معهم صفحات لا تحصى من الأسرار والمواقف والأحداث، والتي لم يعرف سوى القليل منها قياساً بالكثير المدفون مع أصحابها مما لم يوثق لينفع البشرية ويثري الحياة ويمد في بقائهم وذكرهم، ولانعدام الوسيلة، وأسباب مختلفة أخرى خسرنا مخزوناً هائلاً من الفوائد وقد ذهبت أدراج الغيب.
عن محيطنا، ومحيطنا الضيق بالذات نقول إننا لو كنا تمكنا سابقاً والتفتنا لذلك لحصرنا وحصدنا الكثير من الإرث المهمل والمتراكم، مما كان يجرى على ألسنة أصحابه الماضين ومن مضى قبلهم وتدوين تاريخهم بمختلف الأوجه والذي لم يبق منه سوى القليل مع قلة المسنين والمسنات الباقين، ولكُنَّا وثقنا ما نأسف عليه اليوم مما مرَّ خلال حياتهم المليئة بالأحداث والمواقف وربما معارف وثقافات وعلوم كانت تحتاج للتدوين والتفصيل والفهم بطرق ووسائل كانت مفتقدة آنذاك أو لجهل أصحابها ومن يحيط بهم بوسائط إيصالها حين كانوا يتحدثون عنها أو ينقلونها بعفويتهم وسليقتهم ولهجتهم غير المفهومة ربما للأجيال اللاحقة، مع ندرة المتعلمين والكتاب الموثقين وعدم الالتفات لأهميتها أصلاً، وكذلك الانشغال عنها بهموم الحياة ولقمة العيش وأمور أخرى أكثر أهمية عندهم.
عصارة السنين تخرج من فم أحد هؤلاء الذين خط الزمن ثقله على وجوههم، وأحنى ظهورهم، ويكفي أن تجلس وتستمع لأحد هؤلاء القلة لترى ما يجذبك وتسمع ما يدهشك، ببساطة وعفوية، لما يحتويه من مضمون لا يحتاج سوى التوثيق والتأنيق ليظهر بصورة جمالية أخاذة يتلقفها الناس.
من خلال هذا السياق نقول عن بعض من يظهرون وتكون لديهم أفكار ومواد تستحق النشر كتابة أو قولاً أو مشاهدة، ولكن بطريقة مختلفة عما يفعلون والسبب افتقاد هذا البعض للأدوات المساعدة التي تظهرها بصورة أفضل بدل الصورة المشوشة والباهتة وغير الملفتة، كذلك افتقارها للغة السليمة أو الصياغة الجاذبة، وبالتالي افتقاد القيمة فتضيع وكأنها لم تكن.
في المقابل، هناك من يملكون الأدوات والإمكانات الذاتية ولكنهم يفتقرون للفكرة الناضجة فتراهم يشرقون ويغربون في طرح لا معنى له رغم بلاغة الكلام وحلاوة اللسان وسلامة البنيان، ولكن بلا محصلة أو فائدة لافتة في نهاية المطاف، إنها تماماً مثل لوحة فنية براقة الألوان، ولكنه حين التأمل والتعمق فيها خاصة من ذوي الاختصاص يتضح أنها بلا معنى ولا روح يمكن للمشاهد العارف أو العام أن يجده فيها.
لا يكفي أن تكون متعلماً أو مثقفاً لتستطيع الكتابة أو قول ما تريد ظاناً أنك تفعل الصواب، فقط لأنك بليغ الكلمة أو ضليع الفكرة، فالمحاضر أو من يقدم الدورات والندوات وحتى الأستاذ الجامعي هؤلاء مختصون في مجالهم، ولكن من ينجح منهم هو الذي يستطيع إيصال رسالته لجمهوره الحاضر أو القارئ بأسهل وأسرع الطرق، وهذا فنٌ آخر يحتاج قدرة وإجادة وممارسة، وأن يتعلم قبل ذلك كيفية مواجهة الجمهور.
إذاً الميزان مختلف، لأن المطلوب هنا امتلاك الأدوات والقدرة، فمع امتلاك الكلمة والفكرة معاً لابد من إجادة الأسلوب، فمن أجل أن يكون الطرح قيمياً لابد له من أسلوب سلس وشيق وجاذب للقارئ أو المستمع والمشاهد يجعله متابعاً مندهشاً بنهمٍ ورغبة، لا أن يدخل في متاهة يضيع خلالها ثم لا يعرف الخروج من لجج اللامعنى، هنا سيتوقف عن المتابعة وربما يتأفف قبل أن يمل ويتثاءب.
بدل كل هذا علينا العمل بالتخصص، وأن لا نطرق كل باب، فلا يعقل أن يظن الطبيب مثلاً أن بإمكانه الخوض في كل بحر، فقط لأنه متعلم، فالطبيب ذاته لا يملك أن يكون طبيباً في كل شيء لأنه ربما متخصص في جزئية من جزئية واحدة، كذلك المهندس والتاجر والإقتصادي والأديب والشاعر، وكذلك الكاتب بالإختصاص، وهناك الروائي والقاص وكاتب المقال على الإختلاف، يوجد فرق بل فروق جذرية يجب الأخذ بها، فلان من الناس يجيد الكتابة الأدبية دون غيرها من الكتابات، وربما العكس وربما يجمع الموهبتين، وهو ما ينطبق مثل الطبيب أو المهندس مثلاً فيمكن أن يكون رساماً أو نحاتاً أو شاعراً بالموهبة والملكة بالإضافة لتخصصه، وليس لأنه مهندس أو طبيب.
لهذا نقول أن هناك كاتباً بالإحتراف وهو قارىء بالضرورة، وهناك قارىء نهمٌ ومن مختلف المشارف ولكنه لا يجيد الكتابة باحتراف، فالقراءة لديه هي الموهبة فقط، وبالنتيجة أرى شخصياً أن كل كاتب هو قارىء بالضرورة وليس كل قارىء كاتباً باللزوم.
أيضاً وختاماً لابد وفي هذا المجال وغيره وبالممارسة الدائمة أن تصل للإحترافية والمهنية فيكون لك أسلوبك الخاص وفق إمكانياتك ومهاراتك الذاتية التي تتطور وتتطور فلا يجيدها غيرك، وتستطيع من خلالها أن تشد إليك جمهورك ليتابعك أنت بالخصوص وتكون معروفاً ومميزاً عنده وعند غيره باسمك ورسمك وحجمك وهويتك الخاصة والمميزة.



