صراع الاختلاف

حينما نتمسك ونلتصق بما تهوى أنفسنا، فإن مدى إبصارنا يقل، وإدراكنا يبقى منحازًا نحوه، كالمغناطيس يجذبنا شغفنا إليه، لذا يصعب علينا أن نرى ما تُخفي جوانبه، وما يحملُ في طياته!
فنرى أنه هو الحق الذي لا نقاش فيه، والأمر الذي لا باطلٌ يعتريه، نزَّهناه عن السوء والخطأ، وكان دليلنا على ذلك لربما يكون بحثًا بلا أدلة، أو لربما رواية بلا سند، أو لربما إحساس اليانصيب، أو لربما ميل القلبِ والهوى، الذي لطالما قد سمعنا أنه دليل، رغم أننا نعلم أنه قد أخطأ سابقًا في الخيار والاختيار.
بلا يقينٍ ولا حجه نُهاجم من خالفنا، ونقللُ شأن من هو أدنى منا في الجنس والعمر والعلم، نُصارع الجميع من أجل فكرة، ونخاصمهم لأجل اختلاف رغبة!
إن في الاختلاف حياة وعلومًا، لا يجب أن نطمسها في وحل المقارنات، ولا أن نُسَقِط حاملها بالكره والضغينة، لا يجب أن نعترف بها تَظاهرٌ لأجل المنصب، ولا أن نتكلم بها دون وعي لأجل بلوغ الحاجة، لابد أن يكون الاختلاف جزءًا لا يتجزأ في داخلنا، ليسهل لنا التعامل مع الموجودات من حولنا، ولا سيما في استشاراتنا، ومع أولئك الذين يُخالفوننا في الميل والهوى!
إن الأدب في التعامل، والاهتمام في الإنصات والاستماع هو ما سيجعلك متحدثًا لبقًا، هو ما سيجعلك ترى الأشياء ما منظور هذا وذاك، هو ما سيجعلك تبتعدُ قليلًا عن التمسك والالتصاق بما تهواه نفسك، ذاك الاختلاف لربما هو ما سيصحح بعض مفاهيمك، وسيغير بعضًا من نقاط اتصال أفكارك، بل لربما على العكس تمامًا، سيجعلك توصل الحقيقة التي تمتلكها أنت لأولئك الذين قد خذلتهم أفكارهم وعقولهم!
إن العناد في الرأي والغرور الخفي في النفس، هما ما يجعلانا نخسر الكثير من معارك الاختلاف التي لربما قد تمنحنا المزيد من العلم والحكمة، إذا كان في كل ما تراه أعيننا حكمة، فكيف فيما تختلفُ فيه أهواؤنا وأنفسنا وعقولنا!



