التخفيضات.. سوق رائجة.. لا تخلو من الغش

ها هو ذا رمضان مقبل بأنواره نراها في الأفق قادمة، ثم ها نحن نعد شيئاً نعبر به عن فرحتنا بقدوم الضيف الكريم، بالتهافت على مراكز التسوق ومحلات بيع الأغذية، من أجل الاستحواذ على أكبر قدر ممكن من المأكولات والمشروبات، تحولت بفعل العادة إلى وقت مستقطع تمارس فيه ألوان العادات الغذائية المدمرة التي أصبحت سمة رمضانية ملاصقة لحضيض الشهوة، إلا أننا لا نسلم بالمبالغات التي تجعل من هذه الفرحة تخمة وأمراضاً، وتحويل المناسبة إلى شيء لا يمت إلى أصلها أو حقيقتها بصلة.
فبالرغم من أنه شهر أريد به تهذيب النفوس وتصفيتها من زخرف الحياة وشهواتها، إلا أن الناس اعتادوا على الإسراف فيه والتفنن في صنع الأطعمة المختلفة، وتبقى الموائد العامرة بأنواع المآكل والمشارب تعج بما لذ وطاب أكثر مظاهر رمضان بالرغم من وجودها في الأوقات الأخرى من العام.
بنظرة تأملية للسياسة السوقية، والتغيرات والتعديلات التي حدثت على الصيغة التصنيعية، يمكننا الحكم على حجم التجاوزات، ما أخطرها هي سياسة قائمة على أكبر ربح في أسرع وقت وبأي أسلوب كان، فهي تكمن في ما تحمله من مخاطر على صحة الإنسان وسلامة المجتمع.
هناك الكثير من الشركات المصنعة للمواد الغذائية تقوم بتصريف منتجاتها عن طريق سياسة ترويجية وإعلامية بعيدة عن الواقع، تزين كل سلعة بمجموعة خصائص ومزاعم غذائية تنتصر في عين المستهلك على قدراته المادية وحتى على مفهوم ضرورة الشيء من عدمه، يغذيها في ذلك تزايد القدرة الشرائية عند الفرد أو التسهيلات في الدفع، فصرنا نشتري الضروري منها وغير الضروري.
فألوف المنتجات الغذائية التي تقع عليها أعيننا كل يوم كان يمكن استخدامها بشكلها المجرد البسيط، لكنها خضعت جميعها لقيمة مضافة، إما أن تزيد من قيمة المنتج السوقية أو تجعله أكثر رواجاً على الأقل.
لطالما كانت مخاطبة غرائز المستهلك ودغدغة احتياجاته وسيلة معروفة لدى المُسوقين، كما أن اتباع الأسلوب الترويجي في التسويق ليس بالشيء الجديد، فالمستهلك بدا في حيرة من أمره، العروض كثيرة على حساب الجودة، والسوق مليئة بأصناف مجهولة الصلاحية، كما أن استخدام بعض شركات التصنيع وسائل مضللة، كل ذلك قلل من ثقة المستهلك.
المستهلك قد أضحى بالفعل أسيراً للثقافة الاستهلاكية وخاضعاً لسياسات الشركات التسويقية التي همها إغراق السوق بين فينة وأخرى بعبوات مختلفة المظهر تحمل عبارات "جديد ومطوّر" وغيرها من العبارات الموجهة لعقل المستهلك.
عندما نتجه إلى السوق لشراء بعض السلع الضرورية، تتعدد أمامنا الاختيارات ونقف حائرين أمام هذا التنوع الكبير من السلع الغذائية المختلفة، والذي يشد انتباهنا بطريقة أو بأخرى هو تفاوت الأسعار بين محل وآخر؛ وحجم التخفيضات التي تحيط بنا من كل جانب، ونقف هنا متسائلين: ما العمل للوصول إلى سلعة تلائم إمكاناتنا، وتحقق متطلباتنا، وتحافظ على صحتنا؟ وكيف نتجنب الوقوع في الغش أو التعرض للخداع؟
لقد تعددت الماركات وتنوعت الأصناف حتى أصبحت أكثر من الهم على القلب، ولكن هل يستطيع المستهلك أن يحدد الفرق بين أي علامة تجارية وأخرى، صحيح أن ثمة فرقاً بين سعر وآخر ولكن هل لدينا ما يثبت الجودة للأغلى دون الأرخص مثلاً أم هو أسلوب تجاري يستطيع التاجر المغالي أن يشعرنا به أن صنفه من النوع الممتاز.
يبدأ دور المستهلك في حماية نفسه من الغش والتدليس والمبالغة مع بداية التفكير في التسوق، حيث يفضل أن تحدد الأغذية التي يريد شراءها وكذلك الكميات التي يحتاج إليها، ويفضل أن يسعى المستهلك إلى شراء المواد الغذائية من محلات بيع الأغذية ومراكز التسوق ذات السمعة الجيدة والتي تهتم بجودة وسلامة المنتج، وألا يكون جل اهتمامه في البحث عن السلع المخفضة أو رخيصة الثمن، كما عليه التأكد من سريان فترة الصلاحية.
من منا لا يحب التسوق وشراء مستلزمات شهر رمضان المبارك؟
إن كان ثمة أناس لا يحبون تلك العادة ؛ فقد يكون من الذين يعانون الفقر أو من ضيق ذات اليد.
فمن ذا الذي يستطيع مقاومة إغراء التخفيضات، إنها مشتهى الناس..كل الناس ويبقى الذين لا يحبونها هم الأقل عدداً.
دأبت الأسر قبيل شهر رمضان على التحرك الدؤوب في الأسواق والبحث عن التخفيضات، وغزا تفكيرها " هوس أغذية "، والدخول في السوق في الوقت الذي لا يوجد ضرورة لذلك.
ظهرت شركات تجارية تستخدم أساليب الدجل والتضليل والخداع في تسويق منتجاتها مثال على ذلك:
- التقليد: هناك منتجات غذائية كسبت سمعة جيدة وأصبحت عليها طلب من المستهلكين، وفي المقابل تظهر شركات تصنع نفس المنتج وتستعمل شعار ومغلف مشابه للمنتج الأصلي مما يوحي للمستهلك بأن المنتج الغذائي هو الذي اعتاد على شراءه.
- عبوات زيوت القلي: يتم التلاعب في حجم العبوة والفراغ القمي ومغلف بيانات العبوة.
- وتشترط اللائحة الفنية الخليجية رقم (GSO 9/ 2013) بأن يعادل الصافي ووزن محتويات العبوة أو حجمها 90% من السعة الاسمية للعبوة المستخدمة كحد أدنى.
- صافي المحتويات بالوزن أو الحجم أو العدد: نلاحظ عبارات ترويجية تكتب على العبوة " 10 + 2 مجاناً " أو " 10 % زيادة " وغيرها، في حين أن حجم العبوة أو سعتها هو نفسه لا زيادة ولا نقصان.
- عبوة + عبوة مجاناً: الكثير من الأصناف الغذائية يتم فيها تغليف عبوتان بقيمة عبوة واحدة، إما بسبب تكدس المنتج في المخازن والرغبة في التخلص منه، أو كون المنتج شارف على إنتهاء فترة صلاحيتة. وغالباً ما تضطر محلات بيع الأغذية ومراكز التسوق على حد سواء إلى تخفيض الأسعار بعد مرور أكثر من نصف فترة صلاحية المنتج، حتى لا يكون مصيره التلف الكامل.
التنوع الشديد في أساليب الإغراء بأسعار زهيدة، اشتر علبة والأخرى مجاناً، إغراء لا يقاوم، تسحب من الأرفف ونضعها في السلة فوراً دون النظر لمكوناتها وفترة صلاحيتها، عملية استغلالنا للتخفيضات المغرية قد تكون خاطئة، فنشتري كميات كبيرة ولكن قد لا نحسن حفظها لظروف صحية لفترة طويلة، أو حتى ننسى استعمالها لأننا اشتريناها استغلالاً للسعر المغري وليس للحاجة إليها.. ثم قد نفاجأ بهذه المواد بعد فترة وقد فسدت أو انتهت مدة الصلاحية..فعذراً للتنزيلات!!
لا بد من التذكير بأن الهيئة العامة للغذاء والدواء تمنع تسويق منتجات لا تنطبق عليها المواصفات القياسية، وتقوم بالتشهير بالمتلاعبين ورصد الغشاشين، وهذه لغة يفهمها المستورد والصانع المحلي والباعة جيداً بل حقيقة يخشونها، فمفهوم اللوائح الفنية وأهمية الإلتزام بها، ومخاطر تسويق منتجات غذائية غير مطابقة قد تضر بصحة المستهلك، وقد يلحق ضررها الباعة وتجارتهم وسمعتهم.
وقد تم رفض الكثير من المنتجات الغذائية المغشوشة في مختبرات الهيئة العامة للغذاء والدواء من خلال تطبيق بند المواصفة الخليجية رقم GSO 9/ 2013):
• ألا توصف المادة الغذائية المعبأة أو تعرض ببطاقة أو بيانات إيضاحية بشكل ينطوي على الزيف أو التضليل أو الخداع أو بأي شكل قد يؤدي إلى انطباع خاطىء بشأن صفاتها بأي حال من الأحوال.
فالجهات المعنية بالرقابة والتفتيش على الغذاء المستورد لا تظلم التاجر والمستورد ؛ إنما تشجعهم وتسهل لهم الكسب دون تلاعب وعبث، وعلى المستهلك قبل شرائه الأغذية المعبأة، لابد أن يلم بالبيانات والمعلومات التي تكتب على بطاقة المنتج لضمان حمايته من الغش والبيانات المضللة ؛ لذا وجب علينا أن نعوّد أنفسنا كيف نختار أغذيتنا من محلات بيع الأغذية ومراكز التسوق، ويمكن استغلال العروض والتخفيضات لتلبية احتياجاتنا اليومية، وألا نجعل غيرنا يحدد لنا ما هو الأنسب من خلال مغريات الأسعار، والحمد لله كل شيء موجود بالأسواق وبوفرة، والعروض مستمرة طوال العام.
شركات التصنيع لم تكتفِ بجر المستهلك إلى خياراتها، بل امتدت إلى تهديد صحته باستخدامها وسائل التضليل والخداع.
من الملاحظ أن أكثر الأصناف طلباً من قبل الجمهور هي الأصناف المخفضة، حيث العروض اليومية والأسبوعية والموسمية التي تستقطب اهتمام الزبون اللاهث وراء مغريات الأسعار، فثمن السلعة عند الشراء من العوامل التي تكبح عملية التسوق، وهذا ما يُبرر اختلاف الناس في الإقدام على الإسراف في الاستهلاك الشرائي.
يمكن القول أنه كلما كبر مصروف الإنسان، كلما كبر الضرر الذي يلحقه بنفسه، وعندما يصل المصروف إلى مستوى التبذير يصبح الضرر لا مخرج منه، علينا عدم الإفراط والمبالغة،
{ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ } الأعراف، 31.
فالاستهلاك المنتظم للأغذية وعدم إساءة الاستعمال مثل ظروف الحفظ والتخزين تمنع الهدر، فلا يزال - للأسف - يغلب على عادة كثير من الناس أنهم يفتشون على العروض الأوفر والأرخص دون الحاجة إليها، ولكن المشكلة أن مصير معظمها سيكون حاويات القمامة.
نحن بحاجة فعلية إلى البديل الصحي لعادات غذائية ووصفات صحية تجعل من هذا الشهر فرصة لا تعوض لكسب عادات إيجابية تعود على جسد الصائم بالنفع، كما تعود على روحه بالسلام والأمن والتقوى.
وأخيراً، صناعة الأغذية يتهددها ضعاف النفوس من الغشاشين والمقلدين جريمتهم ليست اقتصادية وكفى، وإنما ممتدة إلى تهديد صحة الناس.
مازالت الشركات المصنعة ومستودعات الأغذية أو مراكز التسوق يمارسون الغش التجاري والتقليد، هم يدفعون المستهلكين إلى شراء السلع التي لا حاجة لهم ولا يريدونها حقاً، هناك جهود واسعة النطاق لتوجيه عاداتنا وقراراتنا الشرائية وعمليات التفكير لدينا، وقد نجحت بالفعل في التأثير علينا، والتلاعب بنا، أكثر بكثير مما ندرك، واتخذت وسائل الإقناع المستترة عدة أشكال.. وما زال المستهلك يشتري ويشتري.
منصور الصلبوخ - اختصاصي تغذية وملوثات.



