أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

وداعاً أسطورة كرة القدم (19)

عبدالعظيم شلي · القطيف اليومالجمعة 30 أبريل 2021، 9:30 م
وداعاً أسطورة كرة القدم (19)

صحف ومجلات ومحطات تلفزة تناقلت خبر إصابة مارادونا، بكسر في كاحله الأيسر وتمزق في الغضاريف، وتتوارد الأنباء عن إجراء عملية جراحية له في غضون أيام قليلة، فريق أطباء مستشفى برشلونة بين أيديهم صور الأشعة التي تكشف عن حجم الضرر الذي تعرضت له قدمه.
لقطات مصورة تظهر الفتى وهو مستلقٍ على السرير المتحرك والممرضون يدفعون به إلى غرفة العمليات، ابتسامة تعلو محياه وتلويحة من يديه، رسالة تفاؤل لأهله وطمأنة لمحبيه.
ما حدث له في المباراة الأخيرة لم يكن في الحسبان، ولم يدر في خلده بأن قدمه ستتعرض للكسر يوماً، وتقعده عن الحراك.
بين الألم والغياب، ثمة تفاعلات وانعكاسات غريبة بعد هذا اللقاء الصادم، الذي استفز الجماهير بردود فعل متباينة وبمشهدين متناقضين.
بشر متعاطفة مع الفتى الذهبي بشكل مطلق صبت جام غضبها انفعالاً ضد "غويكوتكشيا " المتسبب في إصابته البليغة، وأسقطت ألفاظاً قاسية على هذا اللاعب الشرس، وبدورها الصحافة وصفته بأوصاف متعددة، بـ المتشدد، الحيوان، لاعب متهور، "جزار بيلباو "، والوصف الأخير التصق به طوال مسيرته الرياضية وأصبح وسماً على جبينه، لبشاعة لعبه وحركاته العدوانية المتكررة تجاه الخصوم.
والذي أطلق عليه لقب "الجزار"، هو الصحفي البريطاني "إدوارد أوين "الذي كان متواجداً أثناء سير المباراة، لقب لازم اللاعب حتى بعد أن هجر الملاعب وإلى الآن وغداً.
المشهد الثاني معاكس للأول، إن كان المتعاطفون عبروا عن موقفهم، وكذا فعل المحايدون، وهو موقف نبيل لمن يواسي مصاباً وبالأخص ضد لاعب فنان تعرض للإيذاء بطريقة وحشية سافرة، يأتي بالمقابل النقيض تماماً، من أناس هللت فرحاً وبشرى للفعلة القبيحة، وتشكر اللاعب وتحييه لما قام به وتناديه بصوت جماعي "غويكوتشيا.. غويكوتشيا" بل تحييه بتحية الأبطال الفاتحين، تحييه بتحية الشجعان المناضلين، إنهم جماهير فريق "اتلتيك بيلباو" المتعصبون حد النخاع، تنادي فارسها المبجل فخراً وعزة حمية وتزفه بأناشيد باسكية!!،
بعد هذا المنظر الغريب، صرح مارادونا من داخل المستشفى "أنا لا أفهم الجمهور الذي يصفق للعنف، لو ركل أحد زملائي لاعباً وأفقده الوعي لن أحمله على كتفي كبطل".
مشهد التشفي جلب تسمية مزرية لفريق "أتلتيك بيلباو" بوصفهم بـ "فريق الوحوش"، لعدوانيتهم تجاه الخصوم، أربعة مدافعين منهم وعلى رأسهم الجزار، اتخذوا من الشراسة أسلوب لعب للدفاع عن شباكهم لتبقى سليمة.
قاموا بأفعال الغاب، ضرب، ركل، رفس، كسر، إسالة دماء، افتراس لا محدود باسم اللعب الرجولي.
محترفون يكسبون رزقهم للذود عن حمى مرماهم بأي ثمن، تبرق عيونهم وتعلو انفاسهم للمكافآت، مادياً ومعنوياً كلما اقتصوا من أجساد المهاجمين ونالوا منهم ضرراً، يعطلونهم عن اللعب زمناً، دون خشية من أحد أو ارتداع من توبيخ ضمير، فهم مدعومون من ساسة الإقليم وحركة "ايتا" الانفصالية، وفي ذات الوقت تساندهم حرارة جماهيرهم المتعصبة، تزفهم زفاً صاخباً نحو نضالهم المزعوم في كل منازلة كروية، نفوس متوترة بفعل رواسب تاريخية متراكمة، يجدون ضالتهم بإفراغ شحنات وأحقاد دفينة، يطلقون العنان للصراخ والشتائم ويزفرون ألفاظاً عنصرية وكلمات بذيئة، تهتز من قبحها كراسي المدرجات، وكأن المستطيل الأخضر مساحة ثأر مستباحة.

سيناريو المباراة سيئة الصيت بين برشلونة وأتليتك بلباو تناقلتها وكالات الأنباء العالمية بشيء من التفصيل، وقيل إن رجل المباراة كان مارادونا، بتسجيله هدفاً وتجهيزه هدفين لزملائه، نتيجة نهائية أسفرت عن فوز البرشا 4 مقابل صفر، وعلامات النقد والاستفهام طالت حكم المباراة ووجه له نقد لاذع وشبه بحكم مصارعة وليس حكم كرة قدم، بقراره السلبي وموقفه الباهت، مجرد كارت أصفر في وجه "غويكوتشيا" بدلاً من طرده خارج الملعب بالكارت الأحمر وبعدها يواصل اللعب وكأن شيئاً لم يكن.
مارادونا من داخل المستشفى ممدداً على السرير الأبيض وبأنفاس موجعة شن هجوماً على التحكيم الإسباني ومدرب بيلباو - خافيير كليمنتي - بقوله: "لن أسامح هذا المدرب أبداً، لقد قال بعد المباراة إنه فخور بلاعبيه! سيستمر العنف في ملاعب الكرة الإسبانية طالما تساهل الحكام مع ذلك".
ووصف المؤلف الشهير جيمي بيرنز هذه الحادثة: "واحدة من أكثر الاخطاء وحشية في تاريخ كرة القدم الإسبانية".

لكن الاتحاد الإسباني اجتمع واتخذ قراراً بإيقاف "جزار بيلباو" 18 مباراة، وتم استئناف القرار من قبل نادي بلباو وخفف الحكم إلى 7 مباريات، موقف لم يعجب مدرب برشلونة سيزار مينوتي وأطلق تصريحاً حاداً ووصف "جويكوتشيا" بأنه واحد من عرق أعداء لاعبي كرة القدم، هذا اللاعب يجب منعه من اللعب مدى الحياة!!
ما أكثر أعداء الإنسانية الذين يلعبون بمصائر البشر ومقدراتهم ويسلبون حقهم وحريتهم في لعب أدوارهم في الحياة.

بين الحب والعداوة، وبين العدل والظلم، بين الخير والشر صراع أبدي، وكرة القدم عالم مصغر لأوجه الحياة المتقلبة.