السعادة بمُعتقد فلكلوريّ

أسهب الكثير من الكُتّاب والباحثين في الحديث عن السعادة واسترسلوا في طرق اكتسابها، بينما اختصرت إحدى الأمهات مفهوم السعادة عندما كانت تدعو لابنتها فتقول: الله يسعدك يا بنتي، أي: يرزقك الله الزوج الصالح!
كثيرًا ما يتردد هذا الدعاء على ألسنة الأمهات، حتى أصبح فُلْكُلُورًا شعبيًا يحكي أسطورة السعادة عند الأمهات. (الله يسعدها) أيّ يرزقها الزوج الصالح، فهل الزوج الصالح مقياس سعادة الفتاة كما كانت الأمهات والجدّات تزعمن سابقًا؟
واستنادًا لمعتقد الأمهات ومزاعمهن الفُلْكُلُورية فإن نظرية فارس الأحلام الذي يمتطي جوادًا، ويحلّق بفتاته عبر قارات العالم تكاد تكون صحيحة، بل تحمل صورة مُشرّفة للزوج في مجتمعنا الشرقي.
بلا شك سوف يأخذني هذا الحديث لأكثر من اتجاه، وسوف تُعزف أفكاري على ألف ناي، غير أنه لابد من معانقة أرض الواقع بعيدًا عن النظريات الصّماء لأن الحياة الزوجية لم تكن يومًا مُقيّدة بنظرية ورقية بل هي مُنجز إنساني ذو شأن عظيم في جميع المجتمعات.
غنيّ عن القول أن يكون هذا الارتباط الثنائي ارتباطًا لا يؤثر في السلوك والتفكير فلا شك إن الشراكة القائمة بين الزوجين لا تُبنى بكثرة التّشدّق وإنما تمتلئ بصور التضحية والعمل المثمر من قبل الطرفين. ومما يُدعم الرابطة الزوجية إشاعة الودّ والمحبة أمام الأولاد كي تنفذ وتسري الانطباعات الأسرية المتوازنة إلى حياتهم المستقبلية. وعندما تعترف المرأة بأن زوجها سر سعادتها أمام أبنائها لن يكون ذلك ضربًا من ضروب الأحلام أو إحدى فنون الكذب فلو خُليت خربت، ومازال هناك الكثير من الأزواج الذين يستعذبون كلّ عمل شاق من أجل عائلتهم، ويكدحون بشدّة منذ سماعهم الصيحة الأولى لأول مولود لهم وهم أصناف عديدة. والجميل أن نترك زوجاتهم يتحدثن عنهم لتعكس المرآة المجتمعية صورًا جميلة تُغاير النمطيّة المعهودة.
الزوج المرن:
زوجي يحترمني كثيرًا ويُقدر جميع ظروفي في كل الأحوال، يقوم بإعداد الطعام في حال انشغالي بشؤون الأولاد، عالمه يمتلئ حركة ونشاطًا بحسّ مسؤول، لا بأس بالتجربة عنده لأيّ أمر من باب التعاون. ويبدو الوضع لديه غير مربك عندما أخرج من المنزل برفقة صديقاتي، لأنه يُقدّر مدى احتياجي للترويح عن نفسي بين الحين والآخر؛ لذلك أقابله بالمثل فأصبر على شظف الحياة من أجله، وأتنازل عن اقتناء بعض الأمور التي تعدّها صديقاتي ضرورة.
الزوج الخائف من الله:
يُشعرني بأنني أمانة في عنقه، يُغدق عليّ الكثير، وإذا أتعبتني الواجبات المنزلية قام بمساعدتي بنفسه، أو يقوم باقتناء أجهزة تُسهل عليّ مهامي اليومية، لأنه يخشى أن يكلفني فوق طاقتي، يتقبل عذري، وينكمش عنده ذنبي، تبدو من عينيه معالم الرأفة والشفقة، ولا ينطق إلا بطيب الكلام وأحسنه، وتنعدم جميع التفسيرات الخاطئة عنده.
الزوج الصديق:
أعيش معه أحزاني العميقة وأفراحي الساذجة، يشعرني بالحماس وأنا أتحدث، يتمطى معي الحياة بكل تفاصيلها، نعيش سويّا ساعات البيض والسّود، يشاركني جميع هواياتي، يخلق أجواء السعادة خاصة عندما أكون حزينة فيمسك بيدي ويخرج معي لأحد المطاعم بحيث لا تتعدى مصروفاتنا إمكانياته المحدودة. لا يوجد ما أخجل منه ليطلع عليه والعكس بالنسبة له.
الزوج الكريم:
أشعر أنني موظفة، تتقاضى راتبًا شهريّا
أمتلك ما تمتلكه صديقاتي الموظفات، بل أنا أفضلهن لأنني أشتري ما يحلو لي بمال زوجي وليس بمالي. يُتحفني زوجي بالهدايا الثمينة في كل مناسبة، أنا أسرد كل يوم فصول السعادة التي أعيشها بجانبه، ولا يشعرني باستجداء السعادة لأنه يضعني ضمن حدودها.
إنّ من الأمور البديهية التي نؤمن بها ألا تخلو الحياة من زوج صالح يبعد عن صورة الشيطنة المرسومة لبعض الرجال بتأطيره داخل دائرة التّسلط واللامبالاة بمحاذاة المرأة الملائكية التي تتحمل مجونه ولعبه فلا يذوب جليد الخلافات بحضوره ولا تسقط ألاعيبه مهما طال به الأمد.
والجدير بالذكر حتمية استمرار الأجواء المكفهرة في الحياة الزوجية حتى يصل الزوجان لمرحلة النضج الكامل، وفي خضم الحياة لن ينسيا أن الأيام العصيبة خُلقت لتكون ذكرى في أيام الرخاء. وفي مُعتقد من يُدلل مداركه:
لا توجد عصور انحطاط تنهي الحياة إنما هي ولادة بعد مخاض تعسّرت رحلته.



