أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الحرية والتفاوضية أو إعادة تشكيل الذات

محمد الحميدي · القطيف اليومالخميس 20 مايو 2021، 6:00 م
الحرية والتفاوضية أو إعادة تشكيل الذات

الأدب قطعة من الواقع، تتمثل فيه جميع خصائصه، بل قد يتفوق ويرسم للمتلقي طريق المستقبل؛ كما في أعمال الخيال العلمي، التي ظلت تحاكي الثورة الصناعية والاستكشافية، منذ بدايات القرن المنصرم، وصولاً إلى الثورة التكنولوجية والمعرفية اليوم، فالأدب لا ينفصل عن حياة المرء.
تبرز بداخل الأدب الروائي والمسرحي، وبدرجة أقل بقية الفنون كالشعر والخطابة والوصايا والحوارات وغيرها قضية شائكة، تمثل عصب الاتصال بين الواقع والمتخيل؛ أي بين ما يحدث أمام عيني الكاتب، وما يمكن أن يضيفه إلى الأحداث الجارية من نكهة خاصة ومميزة يتسم بها، وعلى رأس تلك القضايا قضية الإنسان.
الأدب لا يستهدف الآلات أو الأشجار والبنايات، هو يتجه إلى المتلقي، ويقيم حلفاً أو معاهدة على التكذيب والتكاذب، فالأدب الخيالي بعيد عن الواقع حينما ننظر إليه رأسياً من الأعلى، أما حينما ننظر أفقياً ففيه الكثير من التقاطعات الحياتية الواقعية، وهذه التقاطعات تشكل ذات الإنسان، وطريقة عيشه، وممارساته.
علاقة الكاتب بالمتلقي ليست العلاقة الوحيدة داخل النصوص، فهناك علاقة أعمق، وأشد توثقاً، تقوم بين الكاتب وأبطاله المخترعين؛ حيث يضيف من خياله جميع المزايا التي يريدها، أو يسلب منها الفضائل ويجعلهم ممثلين للشرور، وفي الحالتين يظل الكاتب هو الممسك بخيوط السرد، والقادر بمهارة على تحريكها مثلما يفعل مسرحيو خيال الظل.
الكتابة عالم متشابك الأجزاء متنوع الاتجاهات كثير التعقيدات، وعلى رأس تعقيداته موضوع الشخصية وكيفية اختيارها والكتابة عنها وبنائها، بما يتوافق مع الأحداث الجارية، وهنا ستبرز مسألة في غاية الخطورة: مَن يعمل على تشكيل الذوات القارئة، أو ذوات المتلقين؟ هي مسألة الحرية في البناء، والصياغة.
لكل كاتب عالمه الخاص، الذي لا يشاركه فيه كاتب آخر، وفي هذا العالم يخترع شخصياته، ويكيّفها مع هدفه الكتابي، فبحسب الهدف تأتي الشخصية، والسؤال حول الحرية يفترض به أن يكون: هل الكاتب حر في اختيار وبناء شخصياته، أم هنالك إكراهات معينة وقيود يتم فرضها عليه؟ القيود هنا لا تنافي الخيال الخلاق المبدع.
ثمة حدود للخيال لا يمكن أن يتجاوزها، فالكتابة ليست فعلاً عبثياً، إنما مهارة مكتسبة، اعتاد الكاتب على توظيف اللغة من خلالها، وعبرها يستطيع إحداث التأثير في المتلقي، لذا؛ فالشخصية المخترعة لا يمكن للكاتب أن يتركها على إطلاقها بدون قيود، حيث سيعمل على تحديدها وتحجيمها ورسم إطارها الجامع المانع الذي يبرزها.
هذه الشائكة تحتاج قدرة خاصة قد لا تتوفر لدى الكثير من الكتاب، فالكتابة بما أنها فعل خلاق، فهذا يعني مجاوزتها للحدود، أما من ناحية التواصل مع القارئ فهي ذات حدود، وهنا تأتي أهمية فكرة التفاوض، فالحرية الممنوحة للكاتب ليست مطلقة، بل مقيدة بقيود، ومؤطرة عبر إطارات فنية، تسهم في تشكيل شخصية البطل داخل العمل الفني.
التفاوض من أجل بناء البطل بين الكاتب والمتلقي، من أعقد الأعمال التي يقوم بها كاتب ما، فليس من السهل إسقاط الإكراهات على الخيال المنطلق والجامح، والذي يبدو للوهلة الأولى بلا حدود، لهذا قد يلجأ الكاتب إلى اختراع المتلقي الخاص به، القادر على قراءة ما بين السطور وما خلفها، ليفصح من خلاله عن هدفه.
تنسحب الحرية المقيدة في اختراع الشخصيات على المتلقي الفعلي، أو القارئ الحقيقي، الذي يجد أمامه نماذج إنسانية متنوعة، تستدعي التأثر، حيث عملية القراءة هي مجال التأثر واكتساب المعرفة والخبرة الحياتية، وكلما تعمق القارئ في سلوكيات البطل، اكتشف التشابه بينهما، إلى أن يصل مرتبة الأخذ والاستلهام، وهنا تصبح شخصية البطل رمزية؛ لتجذرها بداخل الثقافة والذات.
الكثير من الشخصيات الخيالية والمخترعة تعيش بيننا بغض النظر عن أصلها أهو حقيقي أم لا، مثل: جلجامش – هرمس – زيوس – بروكرست – قرقوش – جحا – ماني – بوذا – إنانا – عشتار – بوسايدون – جوبيتر – سيف بن ذي يزن، هذه الشخصيات تحمل في داخلها مجموعة من القيم المؤثرة في القارئ، لذا هي تعيش بيننا، وتستوطننا، بشكل من الأشكال.
خضوع الإنسان لهذه الشخصيات الرمزية والخيالية يجري عبر المفاوضة بين الذات والمكتوب أو المحكي، فكلما تعاظمت مآثر الشخصية، ازداد التأثر بها، واستلهام أفعالها وأقوالها، وقد تصل بعد حين إلى محاولة التشابه والتماثل معها.
ختاماً، ينبغي التذكير بأهمية الحرية، وأنها الطريق الوحيد للاختيار، سواء من الكاتب أو القارئ، أما الإكراهات المتنوعة، فهي ضغوطات تواجَه بالمفاوضة، وصولاً إلى صيغة نهائية، تكفل للإنسان إعادة تشكيل أفكاره، وترتيب حياته، وانتقاء شخصياته.