أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

أسماء الأماكن القديمة بين التغيير وضياع الهوية

عباس سالم · القطيف اليومالأربعاء 23 يونيو 2021، 6:50 م
أسماء الأماكن القديمة بين التغيير وضياع الهوية

تتعرض الأسماء القديمة للمناطق والسواحل وحتى الأسماء المكتوبة للبوفيهات والمطاعم في البلاد إلى تغييرات قد تمر بلا اعتراض، لكن دلالاتها التاريخية المهمة سوف لن يعرفها الجيل الجديد، بسبب عدم وجود رابطاً تاريخياً بين الحديث والقديم لتعريف الأجيال عن تلك الأسماء والأحوال المعيشية للأزمنة التي مرت بها البلاد.
معالم الحياة قد تتغير مع الزمن وينعكس هذا التغيير على ضياع التاريخ القديم الذي كان يعيشه الناس في حال لم يتم حفظه والعناية به وتعريف الأجيال الحديثة عليه، وإن أسماء الأماكن الحقيقية تسهم بدور كبير في التعريف بأحوال البيئات القديمة وتوثيق وجودها وامتدادها عبر الأزمنة، وتصوير حالة البيئات وما فيها وعلاقة ذلك بالنشاط البشري فيها.
محافظة القطيف وقراها صاحبة الحضارة والتأريخ التي تتلألأ على ضفاف الخليج العربي في الجهة الشرقية من جبين الوطن الغالي، كانت عبارة عن واحة غناء تحيطها النخيل والأشجار المنتشرة في بساتينها ومزارعها التي كانت تربطها طرق صغيرة بينها وبين قراها المتلاصقة من صفوى شمالاً إلى سيهات جنوباً ومن الأوجام غرباً إلى جزيرة تاروت شرقاً، وكل بستان أو مزرعة لها اسماً تاريخياً توارثته الأجيال جيلاً بعد جيل، ويمكن معرفة المناخ القديم وأنواع النباتات ومصادر المياه في تلك المزارع والبساتين من خلال دراسة أسماء الأماكن ومدلولاتها.
في الجهة الشمالية من بلدتي جزيرة تاروت تقع بلدة الزور التي تطل على مصفاة راس تنورة، وعليها يمتد ساحلها "ساحل الزور" ذلك الساحل الجميل بطبيعته وتضاريسه وهوائه العليل، كان من المواقع الساحلية الجميلة التي تحتضنها جزيرة تاروت، حيث كان يتميز بالتكوينات الرملية المرتفعة، ووجود الخلجان التي تنمو عليها أشجار المنجروف الملاذ الآمن لعدد من الطيور المختلفة منها: طيور النورس، والخرشنة وغيرها، التي تأتي بحثاً عن الغذاء والهدوء أثناء هجرتها للمناطق الشتوية وفيه مختلف أنواع السلاحف.
للأسف بين عشية وضحاها تحول ذلك الساحل الجميل "ساحل الزور" إلى وحدات سكنية!! وكم كنا نتمنى أن لا يكون كذلك ويظل كما هو ساحلاً جميلاً متنفساً لأهالي جزيرة تاروت من الجهة الشمالية، لكنه كما قال المتنبي في روائع شعره "تجري الرياح بما لا تشتهي السفنُ" فتلك الرياح جرت قبله على عشرات المزارع والبساتين وحُوِلَتْ إلى وحدات سكنية وغُيرَت أسماؤها الأصلية فضاعت هويتها منها: بستان عين أم عريش، وبستان مسجد الخضر، ونخل البقعاوي، ومزرعة الكويتي وغيرها من المزارع والبساتين.
تغيير الأسماء الأصلية للمزارع والبساتين والسواحل في البلاد بعد تحويلها إلى أراضٍ سكنية هو من أغرب الأمور، ويعتبر الإبقاء على الأسماء التاريخية القديمة لمناطق وقرى وطرق وشوارع محافظة القطيف، وحتى المزارع والبساتين والعيون الجوفية والارتوازية والمعالم الأثرية هو حق من حقوق المحافظة وأهلها ليكون رابطاً بين القديم والحديث، فلا يجب تغييرها أو تحريفها وإبدالها بأسماء قد تكون رنانة في الآذان ولكنها فاقدة للهوية التاريخية والأثرية لتلك القرية أو ذاك الشارع أو ذلك المعلم.
لا يزال هناك متسع من الوقت لدى بعض المخضرمين من الفنانين والرسامين ومن العامة الذين عاشوا حقبة ما قبل الطفرة العمرانية وحقبة ما بعدها، والكثير منهم عارفون بأسماء تلك الأماكن معرفة تامة، مما يستوجب عليهم العمل على استذكار وترسيخ أسماء تلك المناطق القديمة في عقول وقلوب الأجيال الحديثة من خلال رسم خارطة للمخططات السكنية الحديثة، والمعالم الأثرية والشوارع والعيون والمزارع والبساتين التي غُيِرَت أسماؤها، وضرورة تسميتها بأسمائها التاريخية القديمة التي تعارف الناس عليها.
ختاماً، إن تغيير الأسماء القديمة للمزارع والبساتين والسواحل في البلاد سوف يلغي دلالاتها الجغرافية والتاريخية واللغوية، وسوف يفقدها رابطاً مع التأريخ وشظف العيش في الأزمنة التي مرت بها، من هنا لا بد من تخليد الاسم القديم وإعادة تسمية المخططات السكنية التي أنشئت حديثاً، إلى أسمائها الأصلية لإبراز الوجه التاريخي والأثري والهوية الحضارية لتلك الأماكن والمنطقة.