أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

قتلني الفضولي!

بدرية آل حمدان · القطيف اليومالثلاثاء 3 أغسطس 2021، 3:45 م
قتلني الفضولي!

الفضول نفس يتسابق مع أنفاس الفضولي الذي يجري لهثًا للانغماس في خصوصيات الآخرين وظيفته الأساسية البحث والتفتيش وراء غيره.
فالقيل والقال سمة باتت شائعة في مجتمعنا الذي أذاب الخصوصية، وأصبح الكل يمتلك حق تحليل النتائج، يضع النهايات لكل حدث ويختم بالتوقيع على قصة فلان من الناس لم يعشها ولم يشهد أحداثها، لكن حبه الفضولي ساقه إلى تتبع العثرات ووضعها تحت المجهر؛ لاكتشاف صغائر الأمور التي لا تظهر للناس، ويعتبر ذلك إنجازاً له حققه بمهاراته الخاصة، فطول نفسه، وإلحاحه في السؤال في ما لا يعنيه، وانشغاله بأخبار الآخرين، جعله يُدير أحداث القصة وتحريك أدوار شخصياتها.
فلانة من الناس أو فلان تزوج وطلق، لعدم وجود توافق، لا يقتنع بهذه النتيجة، يقتله الفضول لمعرفة أسباب الطلاق، يدير محرك البحث "جوجل" الخاص به، يسأل هذا وذاك ممن يمتلكون صلة قرابة من صاحب القصة، إلى أن يصل إلى صاحب القصة ويبدأ بالتطفل عليه بالأسئلة والاستفسارات للوصول إلى صلب الموضوع، مما يعني أنه حول الموضوع إلى قضية جنائية، فهو المحقق وصاحب القضية، هو الجاني الذي يجب عليه الاعتراف، وتوضيح أدق التفاصيل ، ليبرئ نفسه من التهمة الموجهة إليه من قبل "ف من الناس".
في كثير من الأحيان الجاني البريء يسرد أدق تفاصيل حياته أمام هذا الفضولي المتعطش لمعرفة الخصوصيات؛ ليرحم نفسه من الضغط النفسي الذي يسببه له هذا النوع من الفضول القاتل، جانب آخر ينقذ سمعته التي تُحاك حولها أقاويل وأكاذيب لا صحة لها في الواقع.
الفضول القاتل لا يقتصر على قضايا الزواج والطلاق فقط، بل هو باسط ذراعيه يحتضن كل القضايا، غني من أين لك هذا، فقير مد رجلك على قد لحافك، الفضول لا يصمت، يدور حولك والأسئلة كثيرة وعلامات الاستفهام تظل تحاصرك وتضعك في أيقونة الفضول، هذه ثقافة الفضول فيما بيننا.
"فضولي مستفز" الذي من خلال جلوسه معك يستطيع بكل احترافية الغوص داخلك وانتزاع ما يشبع فضوله عن أصلك وفصلك حتى الوصول إلى الجد المئة من أجدادك.
وهناك من هو ناعم كالحرير في تموجاته الفضولية، يتحرك بانسيابية نحو فريسته لشل العقل والتفكير، فالتنويم المغناطيسي يجعل الفريسة تبوح بكل تفاصيل حياتها؛ الأحلام، والآلام وربما المعاناة، ما هي إلا توهمات ينسجها الفضولي حول من يتطفل عليه ليوهمه بأن الحال واحد، فنصيبه من تلك الأوجاع لا يقل عنه، فيطمئن لوجود شخص يقاسمه تلك المشاعر.
نوع آخر "فضولي"، وين ما تُدير رأسك تلقاهُ وراك، يُدور أخبارك في مواقع التواصل الاجتماعي كمتابع؛ لكن يزودها أشوي، يفرض متابعته عليك من خلال رسائله ومنشوراته كنوع من التطفل على صفحتك في المواقع، يرسل لك تفاصيل من حياته الخاصة، يقحمك في مشاكله، يرصد لك تحركاته بالصوت والصورة، يجبرك على التعليق عليها، تجد نفسك جزءاً من حياته رغماً عنك.
فهذا النوع من الفضول الإلكتروني في مواقع التواصل عكسي بمعنى استخدام استراتيجية المعكوس أو ما يسمى الصف المقلوب، فضولي ينشر تفاصيل حياته على صفحات التواصل لاجتذاب أكبر عدد من المتابعين، ممن يتبادلون معه نشر خصوصياتهم، وكأنهم يعيشون تحت سقف واحد، حتى وإن كان أحدهم في الشرق والآخر في الغرب.
هذا النوع ينمي حب الفضول السلبي عند الكثير من رواد مواقع التواصل الاجتماعي، والذي يعتبر من أخطر الأنواع، وما يترتب عليه من مشاكل كثيرة أبرزها الجرائم الإلكترونية والابتزازات، وكشف عورات الناس، والمقارنات، اللقمة السائغة هنا نحن من نقدمها على طبق من ذهب للفضوليين؛ فيتناولونها بالهناء والعافية، بعد إضافة بعض من المنكهات عليها لتبدو أكثر إثارة وتشويقاً.
أنماط مختلفة من الفضولية السلبية والمذمومة، باتت موجودة في حياتنا، تشغل بالنا بأحوال الناس وتجعلنا نتابع بعضنا البعض، وننظر إلى بعضنا بحسد وكراهية، وأصبحت تعاملاتنا قائمة على الكذب والمجاملات، وتواصلنا ما هو إلا مضايقة بعضنا البعض والتدخل فيما لا يعنينا، كما ورد في الحديث "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ، وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ: لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنِ اتَّبَعَ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِع اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَورَتَهُ يَفضَحهُ في بَيتِه".
قال الإمام علي (عليه السلام): "من بحث عن أسرار غيره ، أظهر الله أسراره"، غرر الحكم: 8799 .
فراحة البال والاطمئنان الاجتماعي تتحقق بالسلام النفسي، لذا علينا إعادة برمجة أنفسنا وصياغة أفكارنا من جديد لبناء مجتمع مترابط بعيداً عن البغضاء والحقد والمقارنات المدمرة لذات والشخصية وترك ما لا يعنينا "دع الخلق للخالق"، وكما قال الإمام علي (عليه السلام): "وغطاء المساوئ الصمت".