أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

بني.. كن صديقي

السيد فاضل آل درويش · القطيف اليومالأربعاء 18 أغسطس 2021، 2:56 م
بني.. كن صديقي

من المراحل المهمة والصعبة في حياة الشاب والفتاة هي مرحلة المراهقة؛ لما تحمله من بوادر تبلور شخصيته وتشكل أفكاره وآماله وسلوكياته ومشاعره، ويحتاج بقوة إلى مساعدة والديه لتجاوزها بسلامة من خلال توجيهاتهم ووقوفهم المستمر معه وتقييم تصرفاته وتقبل شخصيته، إذ إن الانتقاد الكثير لطريقة تعامله مع أفكار تتعلق بمستقبله وتصرفاته مع الآخرين سيشعره بأنه شخصية منبوذة ولا يتقبله الأهل، لا لأنه مخطئ بل لأنهم لا يفهمون ظروفه ومتطلباته ومع ذلك يضيقون عليه حريته كما يظن.
وهذا لا يعني مطلقاً عدم التواجد في عملية تشكيل شخصيته وتجنب أي نقاش وتوجيه له، بل هي دعوة لتفهم طبيعة تلك المرحلة واختيار الأسلوب المناسب للتعامل مع ابنهم المراهق، ومساعدته على الحفاظ على نقاط القوة عنده وتجنب السلوكيات السلبية المصاحبة لتلك المرحلة، فهذه العلاقة بين الوالدين وابنهما تسلط عليها الأضواء للاهتداء لأهم الأسباب لتدعيم هذه العلاقة والبحث عن عوامل الهدم والاضطراب.
العلاقة المؤازرة لشخصية الابن تعتمد على التقرب منه ومعرفة ما يدور في فكره، فتقبل فكرة أن يكون له وجهة نظر ورأي خاص به تعزز علاقتهما، وأما تقييم ذلك التصور والقناعة به فهو أمر آخر لا ينبغي الوقوف عنده كثيراً؛ لأن طاولة الحوار الهادئ وتبادل الأحاديث يقرب وجهات النظر ويجنب الابن التزمت في الأفكار والانفعال الشديد، فبناء جسور الثقة والاحترام المتبادل يعتمد وبشكل أساسي على إحساس الشاب بتقبل شخصيته بما فيها أفكاره ومشاعره مع توجيهه فيها من خلال الحوار الهادف الهادئ، فذاك يكسبه فكرة العقل الجمعي والنظر للأمور وأهدافه المستقبلية بعقلانية وتشاور حتى يصل إلى القرار المناسب، كما أن تلك الصراحة والوضوح يتحلى بها الشاب ما دام الوالدان يعودانه على الهدوء، في حديث معه يظهران من خلاله كامل الاهتمام به.
فما يواجهه الآباء والأمهات اليوم من غموض في طريقة تفكير أبنائهم وخفاء بعض السلوكيات غير المقبولة منه سببها انعدام تلك الجلسات الصريحة معه بنحو مستمر، وهذا ما يحتم تخصيص شيء من الوقت للحديث والنقاش مع الأبناء حول مجريات أحداثهم اليومية، فذاك سيجعل من شخصية الشاب وشخصية الفتاة شفافة لا غموض فيها، ويتيح المجال له للحديث عن خصوصياته دون خجل أو خوف، بل ينطلق ويسترسل في حديثه بكل ثقة واطمئنان بأنه سيلقى التوجيه والتشجيع والنقد، حينها يشعر الأبناء بمحبة والديهم ومقبوليتهم عندهم بما عندهم من أفكار وسلوكيات، تلك هي الصداقة التي تتوج بها علاقة التفاهم والانسجام بين الوالدين وأبنائهما.
أسلوب التعامل مع الأبناء في نطاق علاقة الصداقة يرتقي عن كل ألوان التعامل والتخاطب المنفرة والمعبرة عن الاستصغار أو الاستهزاء والاتهام المستمر بالتقصير وتسلسل الأخطاء، بل هي قائمة على الاحترام والهدوء في الحديث والبعد عن العنف اللفظي، فضلاً عن الجسدي، ولذا ينبغي احتواء الأبناء بكل ما فيهم ليكون ذلك مدخلاً للتربية والتوجيه والمتابعة من قبل الوالدين، وإعطاء مساحة من الحرية واتخاذ القرار المناسب يزرع فيه الثقة بالنفس وروح المواجهة مع المصاعب، فالتضييق عليهم ورفع لافتة "لا" بنحو مستمر أمام كل طلباتهم أو أكثرها سيحدث فجوة في علاقتهم، فإنه من حق الشاب والفتاة إثبات وجوده واتخاذ ما يعزز مكانته في التخطيط لمستقبله.
ما أجمل أن يرى الشاب والفتاة في والديهما مستودع أسرارهم يبوحون فيه ما يجول في خاطرهم مع اطمئنانهم بحفظها، فذاك يمنحهم مساحة من حرية التعبير عن ذواتهم ومشاعرهم وأفكارهم أنى كان اتجاهها، فالدعم من والديهما يشكل سور أمان أسرياً يستشعر الأبناء من خلاله المشاعر الدافئة.