بين الحرّية والحِلّية

اختلط مفهوم الحرية مع مفهوم الحلّيّة كثيرًا هذه الأيام، وازداد هذا الاختلاط سعةً عند المرأة المعاصرة.
تظن بعض النساء اللواتي يطالبن بالحرية أن الحرية هي مسمّى آخر للحلية ولكنّه مغلّف؛ بحيث يكون بإمكانهنَّ ممارسة ما يحببنَ من سلوكيات في مجتمعاتهن وليس للمجتمع الحق في محاسبتهن، أو حتى تقييم سلوكهن الخاص.
كما أنّهنَّ غير مسؤولات عن تبعات التحرر وانحراف الشباب نتيجة الإغراءت التي يمارسنها بين الناس.
فات هؤلاء الفاضلات أن الله الذي أوجدهنّ من العدم رسم للناس دستورًا خاصًا ينبغي الالتزام به لتستقيم الحياة، ووضع لكل شيء ضابطة ينبغي ألا يتخطاها الناس.
هنَّ يطالبن بمحاسبة الرجال الذين يتعرضون للنساء وفق المنهج الإسلامي، ويطالبن بإعطاء المرأة حقوقها الكاملة التي ضمنها لها دينها؛ غير أنهن يرغبن في التحرر من القيود الإسلامية تحت شعار الحرية في الوقت نفسه؛ ولو على استحياء.
النقيضان لا يجتمعان ولكنهما يجتمعان عند هذه النوعية من النساء.
إن كنتنَّ ترغبنَ في الحرية الشخصية الغربية فتوجهن إلى هناك، واخلعن ثوب الإسلام، ومارسن حياتكنَّ الشخصية كما تحببن، ولن يحاسبكن أحد، وتحملن وزر عملكن وتبعاته في الدنيا فضلًا عن الآخرة. أمّا أن تؤمنَّ ببعض الكتاب وتكفرن ببعض فأمر لا يقبله عقل ولا يقول به رشيد.
إن الثمار اليانعة الموجودة في جوهر الإسلام جعلت النساء في الغرب يغبطن المسلمات على هذا الدين الإسلامي الذي أعزَّ المرأة وجلّلها وجعلها قدّيسة تمشي على الأرض، في حين أن بعض المسلمات لا يشعرن بعظمة هذه القداسة التي بلغت السماء شموخًا.
الإسلام هو دين الوسطية والاعتدال والاستقامة الذي كفل لكل فرد التزم بحدوده سعادة عظمى في الدنيا ونعيمًا بلا حدود في الآخرة.
ومن المفارقات هنا أن بعض هذه النوعية من النساء يدّعين حب زينب العظيم، ويؤمنّ برسالتها وبقدسيتها وبأن الثرى الذي وطأته في كربلاء أعطى للحياة شرفًا وعفافًا يمتد إلى يوم القيامة؛ غير أنّهنَّ يخالفن منهجها شكلًا ومضمونًا.
هؤلاء النسوة اللواتي أغرقهنَّ تيار الحداثة والحرية لم يعلمنَ أن جلّ الرجال في المجتمعات الإسلامية يحبون المرأة الخلوقة المتدينة المتزنة التي تحفظ نفسها وأسرتها والمتعلقين بها من كل شائبة أو شبهة، كما لا يعلمنَ أن العلاقات المتينة الراسخة والدائمة في الزواج لا تكون إلا مع الملتزمات بحدودهنّ لا مع اللواتي يسعين للشهرة والأضواء ولو كان ذلك على حساب دينهن وأخلاقهن وقيمهن.
أما الرجال الذين يطبلون لهذا النوع من النساء - وهم ندرة - فجلّهن ينظر إليهنَّ بأنهنّ قاصرات عقل ودين، أو فاتنات ينبغي الاعتناء بهن.
أنا لا أميل - إطلاقًا - لثقافة التشدد في الدين، أو توزيع صكوك الغفران على البشرية، أو تصنيف المجتمع وفق الرؤى والميول والتوجهات، ولا مع إلغاء الحريات الفكرية المنطقية، ولا مع قمع المرأة أو تهميشها أو ظلمها أو التقليل من شأنها ورسالتها وهي محور الكون وجماله ووهجه؛ غير أني في الوقت نفسه لست من دعاة الحلّية ولا من مريديها بحال تحت أي شعار برّاق قد ينطلي على بعض القلوب الوردية، وبمعنى آخر فأنا أحب الصالحين ولستُ منهم.



