أحاديث البحر!.. خواطر شاب فقد أمّه

لم أعشق من الدنيا سوى أمي والبحر. على شاطئ البحر يتشعّبُ الجمالُ وفي أعماق أمي يُثمر الإنسانُ، وحَسْبك نضارة الكلمة على لسانها حينما تتخطى جدران قلبي فتثمر نورًا أبلج.
في حديثي مع أمي تتجلى فلسفة الإغريق والمسيح وينبثق نور الإسلام، ترتدي أمي لباس الفضيلة بعيدًا عن التّصنع، مثل عابد يُكمل فرضه العبادي لا يهتم بمن حوله، يحلّق في أجواء الإيمان بصدق وإخلاص لا يلتفت لهذا ولا لذاك.
خلف أبواب منزلي عشتُ مع أمي ودرجتُ سنين عمري أقطف أجمل الزهور من بساتين حديثها، تغمرني أمي بفيض من الحنان، تفتح ذراعيها لي وقت المحن وتضمني إلى صدرها استبشارًا وفرحًا.
غادر والدي مع من غادروا العالم فجنّدت أمي كلّ طاقاتها من أجلي، عملت، وكافحت، ربتني بحبّ وأنا اليوم بجانبها وطوع أمرها.
تعاهدنا على أن نكون معًا في صولات الدنيا وجولاتها، نُحارب ونهادن متى ما لزم الأمر. لقد ظلّ ذلك اليوم قابعًا في ذاكرتي، أجبت نداء أمي وقد أوجع قلبي أنينها، أنصتُ إلى الضراعة في تمتمة كلماتِها، أخافتني رعشة يديها ما هكذا عهدتُ أمي.
جاءني الجواب سريعًا، وغابت أنفاس أمي عن الحياة، لم أكن أُصدّق ذلك اليقين بل راودني صوت الشك: قم وانهض، أمّك لم تمت بعد مازالت على قيد الحياة!
أعرف جيدًا أنّ الشخص الذي لا يتقبّل الفقد سوف يتقلّب بين عالم الخيال المفزع وبين تعاسة الموقف. خرجتُ من منزلي لا أعلم أين أضع رجلي قابلتني جارتنا في طريقي وسألت عن والدتي لا أعلم لماذا قلتُ لها إنها بخير، لقد تركتها نائمة، لم أجرؤ على قول: إن أمي ماتت.
أخذتني قدماي صوب البحر كلّ خطوة تؤلمني، وكل حدث يفزعني، تُحادثني الدموع، تسابقها كلمات الأسى
أطبق الظلام وكلانا يسرُّ الآخر بأحاديث عَرَّفَ بَعْضَها وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ.
خضتُ في حديث شائك مع البحر ثم قلتُ له: افعل ما يحلو لك ستجدني عاشِقًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا.
فَلَمَّا نَبَّأَني بما يجول في خاطري قلتُ له مَنْ أَنْبَأَكَ هذا؟
قالَ: إنها حربك على الموت، هل قررتَ أن تمشي خلف فكرة مجنونة، مستحيلة؟!
بني: تقبّل الألم هو بداية جراح لا يُحتمل ألمها مت شيئًا فشيئًا سرعان ما تتماثل للشفاء، وتتخلص من جراحك المؤلمة.. نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ بأنك سوف تكون بخير.
مع لحظات النهار الأخيرة وأضواء الليل الخافتة ابتلع البحر الشمس كعادته أسرّني بأحاديثه وبدا يغفو، تركني أُعيد حساباتي من جديد وعدت أدراجي نحو منزلي حيث كانت أمي بانتظاري ولكنها على غير عادتها كانت تغطُّ في نوم عميق جدًا، لم أدرك ما أقوم به من جنون فادح في حق أمي فإكرام الميت دفنه.
جلست بجوارها طوال الليل وقد امتلأت جعبتي بأحاديث كثيرة ناديتها فلم تُجبني قلت لها: أمي لا تجعلي بصرك بعض بصر، وسمعك بعض السمع، لا تقبري صوتك في أحشائك. أمي سوف تكونين بجانبي أبد الدهور إلى أن نُقبر معًا. غلبني النعاس وغفوت بجانب أمي، سمعت أصوات كثيرة تعاتبني، ليست أصوات وإنما صليل سيوف تقاتل أفكاري المتمردة على الموت، وقد أوشكت على الوقوع في أشواك الممرات المظلمة التي كنت أمشي فيها.
هيهات من عودة أمي أسمعها تقول: عمرٌ قصير لا تشبعه بالأوجاع يا بُنيّ؛ أقطع أشواطًا للفضاء الرحب تنشد أجمل أبواب السعادة.
بُني اجعل قبري يقاوم الفناء بدعائك الذي لن ينقطع عني، كلما سمعتَ صوتك قلت: إنّ من أنجب ابنًا محبًّا لم يمت.
لا نريد أن نموت، ولا نريد أن نجوع، ولا نريد أن نعطش ويبقى العمل الصالح خبز الحياة والموت، كلّ أعمالنا ضربٌ من الخسارة ما لم تتوجها بركة الله ورضوانه.