الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

لا تجعلوا بيوتكم مقابر صامتة

المهندس أمير الصالحالثلاثاء 13 أكتوبر 2026، 10:08 ص
لا تجعلوا بيوتكم مقابر صامتة

لطفًا، يا سكان أي منزل، لا تجعلوا بيوتكم مقابر بكثرة الصمت واعتزال بعضكم بعضًا وانكفاء بعضكم على أجهزة الجوال والحاسوب ومشاهدة التلفاز. فالبيت الصامت أشبه بالمقبرة.

حوار

فمن الذكاء والهمة والوفاء أن يسعى الآباء جاهدين ليجمعوا أفراد أسرهم تحت سقف واحد، ومن حسن نية بعضهم أنهم أطلقوا ديوانيات رقمية تضم أفراد عائلاتهم أو أصدقاءهم، لكي يتحدثوا ويتسامروا ويمرحوا ويضحكوا، ويتناقشوا ويتثاقفوا ويتدارسوا ويتناقلوا تجاربهم الحياتية، حتى وإن اختلفوا في وجهات نظرهم في أمور معينة، ويتفاهموا ويشاركوا ويقترحوا ويبادروا ويتوادوا ويتحابوا.

فالبيوت والديوانيات، وكذلك القروبات الرقمية، لا تموت حين تتشقق جدرانها، بل تضمحل وتنعدم قيمتها بطول الصمت أو كثرة التنافر وكثرة العتاب وكثرة الجدال وكثرة الإسفاف وكثرة المناكفة.

بالمجمل، أي مكان نشعر فيه برائحة الموت، سواء في الحي أو مكان العمل أو السوق أو الجوار، فإننا نستوحش منه ونهجره. وكذلك القروبات الرقمية التي يلتزم أغلب أعضائها الصمت حد الخرس، فإن مصير القروب هو الاضمحلال والاختفاء.

اكسر الصمت القاتل

هناك من انشغل بعمله حد الانقطاع، وهناك من عزف عن التحدث مع بعض أفراد أسرته حد الانقطاع، وهناك من هجر أصدقاءه حد النسيان لهم. وهناك من اعتزل بسبب المناكفات أو التحدث من قبل البعض في المحظورات، أو استحواذ البعض على الميكروفون طوال الوقت بفرض وجهة نظره واعتماد رأيه وحده! إلا أن هذا وذاك يجب أن يُعالَج بجرأة وذكاء وحكمة وحصافة.

فحديثًا أصبحنا نسمع عن أخ لا يتحدث مع أبيه أو أخيه بسبب خلاف تافه. وأصبحنا نرى ابن أخ يعزف عن مصافحة عمه. حتى سمعنا بوقوع شجار بين أخ وأخيه في صالة أفراح بسبب خلافات أسرية محضة، أو تحوّل قروبات رقمية إلى ساحات للمناكفات المزعجة بسبب اختلاف حول هلال بداية الشهر، أو دعوة إلى حفلة عيد ميلاد أو دعوة زفاف.

فحتمًا، مع طول القطيعة، تتضخم المشكلة، وينسى الأطراف السبب التافه، ولكن العزة بالإثم تتحول إلى شعار يُمارَس.

المبادرة في التواصل

تراكم بعض الخصومات والترهلات والكسل يحتاج إلى المراجعة قبل الاستفحال، فلا شيء يستحق أن نجعل بيوتنا صامتة وقروباتنا الرقمية شبه خرساء.

فدعوة إلى كوب شاي، أو دعوة إلى تناول كوب من القهوة، أو دعوة إلى تناول وجبة عشاء في مطعم، أو دعوة عبر بعض القروبات لتنظيم رحلة إلى الكورنيش، أو إطلاق رحلة برية جماعية في فصل الشتاء، قد تعيد عجلة الحب والمودة وصلة الرحم والمؤاخاة.

بل قد تعيد رسم الابتسامات على وجوه الأطفال، وتُحيي حديث الكبار، وتعيد إطلاق الضحك والمفاكهة بين الأسر. فكثرة العتاب تنفّر النفوس، وكثرة اللوم تزيد الجفاء، وقلة الوصال تميت الحياة.

في البيوت مجالس، والمجالس للمجالسة والإكرام والضيافة، وليست للغبار والأتربة.

وكذلك القروبات العائلية ليست فقط لإحياء مناسبات الأفراح والأتراح، بل للوصال بين الأحياء وتجذير المؤاخاة.

وقروبات الأصدقاء ليست لتلميع أوجه وأفكار محددة وتسويقها، بل لاكتشاف آفاق مستقبلية وتجذير مؤاخاة رائعة تصنع المجد، وإن اختلطت ببعض المزاح والمفاكهة والنقد البناء.

هناك ظاهرة تشغل علماء النفس والاجتماع، وهي الوحدة الاجتماعية «Loneliness». كما أن هناك ظاهرة نفسية رصدتها، وهي ظاهرة الهشاشة النفسية في أوساط بعض شباب مجتمعنا الخليجي، بسبب كثرة الانعزال والخوف من الآخرين والمجهول. ولعل التواصل الاجتماعي أحد مفاتيح معالجة الهشاشة النفسية وكسر العزلة وإعادة ترميم الثقة في نفوس البعض.

الخلاصة

أجمل البيوت أكثرها تواصلًا ومحبةً وبشاشةً، وليست أكثرها ديكورات أو أوسعها مساحة. وأجمل القروبات هي القروبات الثرية بتفاعل جميع الأعضاء، دون حصر أو استحواذ أو تنطبش أو عزوف أو انتقاد سلبي أو مناكفات أو مزايدات أو تنمّر أو مشاكسات أو تهميش أو مفاخرة أو ازدراء.