عاشقٌ لم أتوقعهُ


في زيارتي هذا الأسبوع للحبيب المصطفى ﷺ، عشتُ حكايتين لم يفصل بينهما سوى أقل من ثلاثة أيام…
وهذه أولاهما.
لم أكن أتوقع أن تبدأ حكايتي قبل أن أصل إلى مسجده الشريف…
ولا أن يكون أول من يحدثني عن الحب والشوق في هذه الرحلة… سائق سيارة أجرة.
كان يريد أن يخبرني بشيءٍ عن جبل في المدينة…
لكن حديثنا أخذنا إلى جبل وحجر وشجر… جمعها وجمعنا حبُّ الرسول الأكرم ﷺ.
ما إن وصلت إلى مطار المدينة المنورة، وقبل أن أغادر بوابته، حتى استقبلني أحد أبنائها قائلًا:
”أهلًا وسهلًا بزوار النبي… حيّاكم الله في مدينة المصطفى“.
ثم سألني: هل تريد تاكسي؟
أجبته: نعم.
فنادَى أحد السائقين وطلب منه إيصالي إلى الفندق.
وما إن ركبت السيارة حتى كرر السائق عبارات الترحيب، معبّرًا عن سعادته بخدمة زوار رسول الله ﷺ.
شكرته وقلت:
”ليس غريبًا عليكم يا أهل المدينة هذا الكرم والحب والتقدير لزوار النبي“.
لم تمضِ عشر دقائق على انطلاقنا… حتى أشار السائق إلى جهة اليمين وقال: انظر هناك… ماذا ترى؟
قلت مبتسمًا:
”لا أرى إلا ظلامًا دامسًا وبعض المباني المرتفعة، وخلفها جبلًا عظيمًا“.
قال: أتعرف هذا الجبل؟
قلت: نعم… إنه جبل أُحد.
فسألني: وماذا تعرف عنه؟
بدأتُ أحدثه عن غزوة أُحد… عن حمزة بن عبدالمطلب، سيد الشهداء، وابن أخته عبدالله بن جحش، اللذين دُفنا في قبر واحد، كما تذكر بعض الروايات… وحامل اللواء مصعب بن عمير، وغسيل الملائكة حنظلة بن أبي عامر، وعمرو بن الجموح، وبقية شهداء أُحد.
وما إن توقفت لألتقط أنفاسي حتى بادرني: جميل… لكن ليس هذا ما أقصده!
قلت مبتسمًا:
إذن أخبرني أنت… فأهل مكة أدرى بشعابها.
قال: ألم تسمع قول رسول الله ﷺ: ”أُحد جبل يحبنا ونحبه“؟
صمتُّ لحظة…
أدركت حينها ما كان يريد إخباري به.
قلت له مازحًا:
”ما شاء الله… حتى جبالكم تحب رسول الله“.
ثم أضفت متأثرًا:
”إذا كان هذا الجبل الأصمّ يحب الحبيب… والحبيب يبادله الحب… فكيف نلوم قلبًا هام بحبه واشتاق إليه وتمنى التبرك بفاضل ماء وضوئه؟“
ثم قلت للسائق:
”ليس الجبل وحده من عرف الحبيب المصطفى وأحبّه… فهناك حجرٌ في مكة كان يسلّم عليه حتى قبل بعثته“.
سألني متعجبًا: وما حكاية هذا الحجر؟
قلت له: رُوي عن رسول الله ﷺ قوله:
”إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلّم عليّ قبل أن أُبعث… إني لأعرفه الآن“.
ثم أضفت:
والأجمل أن رسول الله ظلّ يعرف ذلك الحجر… ولم ينسَ سلامه عليه.
ولم تكن الحجارة وحدها…
فقد رُوي عن الإمام علي

أنه كان مع النبي ﷺ في بعض نواحي مكة، فما استقبله شجرٌ ولا جبلٌ إلا سلّم عليه قائلًا:
”السلام عليك يا رسول الله“.
ثم قلت للسائق:
”يا للعجب!!!… جبلٌ يحبّه هنا، وحجرٌ يسلّم عليه هناك، وشجرٌ يعرفه… فكيف لا تهيم القلوب بحبّه؟“
في اليوم التالي ذهبت لزيارة حمزة سيد الشهداء وشهداء أُحد.
فقد رُوي عن الحبيب المصطفى ﷺ:
”من زارني ولم يزر عمي الحمزة فقد جفاني“.
فحبُّ الحبيب لا يكتمل إلا بحب من أحبّهم.
ما إن وصلت… حتى رفعت رأسي، وأطلت النظر إلى الجبل الذي حدثني عنه السائق ليلة وصولي.
بالأمس كنت أراه من نافذة السيارة وسط ظلام الليل… واليوم أقف أمامه!
تذكرت ذلك اليوم العصيب… حين شُجّ وجه الحبيب المصطفى ﷺ وكُسرت رباعيته… ثم احتمى بهذا الجبل.
وتصورت فاطمة الزهراء

وهي تغسل الدم عن وجه أبيها… والإمام علي يعينها بالماء.
الإمام علي يحضر الماء في ترسه من بقعة في أسفل الجبل تُسمّى ”مهراس أُحد“، ويغسل جرح النبي ﷺ … ويغسله… فلم ينقطع الدم، فأتت فاطمة… أم أبيها… وجعلت تعانقه وتبكي، ثم أحرقت حصيرًا وجعلت على الجرح من رماده، فانقطع الدم وتوقف.
نظرت إلى الجبل مرة أخرى…
وتساءلت:
لماذا هذا الجبل بالذات أحبّ النبي… وأحبّه النبي أيضًا؟
ألأنه آوى الحبيب يوم أُصيب؟
أم لأنه شاهد الزهراء تداوي جراح أبيها وتبكي، فسقطت دموعها عليه؟
أم لأنه شهد حزن الوصي وبكاء الزهراء، فشعر بحزنهما… وبكى لبكائهما؟
أم لأنه الجبل الذي رجف يومًا تحت قدمي رسول الله ﷺ، فقال له النبي:
”اثبت أُحد“ … فسكن؟
هل سكنتَ واطمأننتَ لأن رجلي الحبيب المصطفى عليك ويديه تمسحان على صخورك، أم أن دموع ابنته الزهراء سقطت عليك فأنبتت ما لا يعلمه إلا الله؟
أم أن بين الحبيب المصطفى ﷺ وهذا الجبل سرًّا من أسرار الحب والشوق لا نعلمه؟
وقفت أتأمله طويلًا…
لا أعلم لماذا أحبّ النبي هذا الجبل، ولا كيف أحبّه الجبل.
لكنني على يقين من شيءٍ واحد…
أن أُحدًا يحب الحبيب… والحبيب يحب أُحدًا.
وهذا يكفي الجبل فخرًا… ويكفينا نحن معرفةً.
غادرتُ جبل أُحد… لكن حكاية السائق بقيت ترافقني…
كنت أظن أنني أعرف الكثير عن حبّ الناس لرسول الله ﷺ، فإذا بهذه الرحلة القصيرة تفتح أمامي بابًا آخر من أبواب الحب والعشق.
ولم أكن أتوقع أن تحمل لي هذه الزيارة حكايةً أخرى، بعد أقل من ثلاثة أيام…
لا مع إنسانٍ من أهل المدينة ولا مع جبل من جبالها…
بل مع طيورٍ ناصعة البياض!!!
فماذا حدث مع هذه الطيور ليلة الثلاثاء الماضي؟
تلك حكايةٌ أخرى… نرويها غدًا.
همسة عاشق:
ليس كلُّ عاشقٍ له قلبٌ نسمع نبضه…
فبعضُ العشق يسكن الجبال ولا نسمع له صوتًا.
وما خفي عنّا من حبّ الحبيب… قد يكون أعظم مما عرفناه.



