لا تظلموا الخبز

افتقدنا الأشياء البسيطة في حياتنا والتي لا تقدر قيمتها أو ارتباطنا بها؛ نشعر فيما بعد كم هي غالية، ففي الأيام الخوالي عندما كنا صغاراً ملأت أجوافنا لقيمات نظيفة طازجة خرجت من أجود تنور في الدنيا.. تنور أمي!! قرص خبز حار أجده ألذ من الشهد، مصنوع من القمح الطبيعي والمضاف إليه السمن البلدي، كان المتخلفون فقط هم الذين لديهم تنور في بيوتهم، أما المتحضرون فكانوا يشترون الخبز العربي من الخبَّاز.
ومنذ قدوم المخابز الأوتوماتيكية والناس لا حديث لديهم سوى خبز الفرنجة والصامولي وخبز النخالة والشعير.. قائمة طويلة من المخبوزات وبعضها ذات استخدامات خاصة، حتى أصبح تناول تلك الأصناف دليلاً على التحضر والاهتمام بالصحة والوقاية من أمراض العصر، فهم مفتونون بأنواع الخبز وخلطاته السرية الدي يصعب صنعه ويغلو ثمنه، ويتساءل الناس عن هذا الخبز وصلاحيته ومأمونيته غذائياً وصحياً.
انتشرت في الآونة الأخيرة عبر قنوات التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو تتضمن أقاويل وادعاءات صحية وتغذوية، فماذا ِقيلَ عن الخبز، وما هي حقيقة اللغط الدائر حوله؟! ونحن هنا في هذه المقالة نفتح للقراء ملف الخبز للمرة الثالثة، نعم، قلت كل شيء عن الخبز مسبقاً، وكنت أظنني أوفيت الموضوع، ولكنني تلقيت من أسبوع اتصالاً من صديق يسألني عن رأيي في تلك المقاطع المتداولة مالها وما عليها، محاولين إن شاء الله وبتوفيقه عز وجل وضعها في ميزان علمي ومعالم واضحة لحاجة الناس لإدراكها.
لعل الاضطراب في وضوح الصورة عند كثير من الناس سببه نشر أقاويل وادعاءات بنيت في الأصل على تجارب شخصية محدودة أو رأي مجرد، وخطورة مثل ذلك التوجه هو وضع حكم وقاعدة ومفاهيم لا تتطابق مع متشابكات العلوم والأبحاث الحالية.
الخبز، الأرز، البطاطس أغذية نشوية تحتل مكانة لا يضاهيها أصناف أخرى من المأكولات، فرضت نفسها بقوة عجيبة على كل الوجبات، وحتى في المأكل، فالخبز أو الرز أبسط الأطعمة لا ينازعهما على مكانتهما شيء، ومهما أغرتك الوجبات الفاخرة، تأتيك لحظات تشعر معها أنك تتوق لقرص خبز ساخن أو لقمة أرز لذيذة.
عندما نشتري خبزنا اليومي من الخبَّاز أو الفرَّان المجاور، يجب أن نتذكر أن هذا الخبز الذي كان قمحاً ثم طحيناً؛ مصدره حبات القمح الذهبية؛ القمح الذي يعتبر من الحبوب القديمة المعروفة بـ ”طعام الملوك وطعام العامة" يتم حصاده بعد تمام نضج سنابله، حيث تؤخذ الحبوب وتجفف ثم تطحن لتصبح دقيقاً يعد منه الخبز، هذا الخبز الذي يعرف اليوم بـ "الخبز الأسمر" من طحن حبوب القمح كاملة أي بأغلفتها وأجنتها وطبقاتها الداخلية، يقي آكليه شر الأمراض.
تنفرد كل شعوب الأرض بخصوصيتها في إعداد الخبز وتجهيزه، ويجتمع العالم بعادات في غذائهم وتناوله لا يكاد يشذ عنها إلا قلة منهم، هم يجتمعون على تواجد الخبز المصنوع من حبوب القمح، وقد يكون الشعير أو الذرة.
رغم مرور الأيام، وتغير الأحوال، رأينا كيف أن الخبز ما زال يحافظ على مكانته القديمة، إنه مرادف للحياة في كل حضارات العالم، قد يختلف أسمه وشكله ولونه ونوعه ومذاقه من مكان إلى آخر، يحمل أسماءً مختلفة وفق المناطق الذي يصنع فيها، يصنع من دقيق القمح أو الحنطة وفي أحيان قليلة الذرة أو الشعير، كما أن له أصنافاً مختلفة كالخبز الأبيض، والخبز الأسمر، والخبز من حبوب القمح الكامل، والخبز المتعدد الحبوب.
- الخبز الأبيض من الأغذية المصنوعة من حبوب القمح المنقاة أو المصفاة والمعالجة بالإضافات الكيميائية، إن هذا النوع من الخبز أقل جودة وقيمة غذائية من الأنواع الأخرى.
- خبز النخالة: هو الناتج المحضر من خليط دقيق القمح والردة (وهي طبقة من النخالة الناعمة بنسبة لا تقل عن 50% من خلطة الدقيق الداخلة في صناعة الخبز).
إذن، ما نوعية الدقيق المستخدم حالياً في صناعة الخبز؟
انتصر دقيق القمح على غيره من الحبوب في تحضير الخبز واصطناع أصناف مختلفة من الخبز العصري المدعم بالمعادن والفيتامينات، والمعامل بالإضافات الكيميائية "محسنات ومبيضات ومواد رافعة وحافظة وغيرها من الإضافات الكيميائية"، والمعالج جينياً وإشعاعياً، تلك الإضافات والمعالجات سلبت من الخبز قيمته الغذائية والعلاجية وسببت لنا مشاكل صحية.
وفي خضم هذه المعالجات التي ابتلينا بها، بدأ بعض المختصين يدق ناقوس الخطر حيال ما يهدد البشر، لقد حرمتنا التقنيات فوائد جمة، فتلك مطاحن الحبوب الحديثة سحقت حبوب القمح وفصلت النخالة عن القوام الداخلي للحبوب، وراح الأطباء وعلماء التغذية ينشرون توصياتهم ومنددين بالخبز العصري الذي فقد جميع مقوماته الغذائية لا سابق له.
يتهافت الناس دوماً على شراء الخبز الأبيض الذي يبدو شكله أشهى على الرغم من أن بياضه الناصح ناجم عن إضافات كيميائية ومعالجات التي شكلت خطراً على الصحة.
بدأنا نسمع أقوالاً من غير متخصصين تؤكد التالي: السبب الفعلي الخفي وراء ارتفاع سكر الدم وهو الخبز!! مثل هذه الاعتقادات الغذائية المنتشرة في مجتمعنا تؤثر سلباً على صحة الناس، لقد أتضح أن الأشخاص الذين اعتقدوا أنهم يسيرون بالاتجاه الصحيح كانوا في الحقيقة يسيئون إلى أجسامهم، هم يعتقدون أن نظامهم الغذائي صحي وسليم ما داموا لا يتناولون أغذية معينة، فالشعارات التي ترفع مثل الخبز سبباً للسكري، أمور قابلة للمناقشة اليوم، نقرأها قراءة صحيحة، ونقيّم مصداقيتها، ونتعامل معها بموضوعية، فالتوقف عن تناول الأغذية النشوية كالأرز والمعكرونة والبطاطس والخبز فقط لأنها وراء ارتفاع سكر الدم، فيه شيء من المبالغة، هم لا يدركون أن العديد من الأغذية الأخرى لها تأثير أكبر.
خبز النخالة يوصف لفئة معينة من مرضى السكري وهم الذين يعانون ارتفاع دهون الدم مع ارتفاع جلكوز الدم؛ بخلاف ما ورد عبر مقاطع الفيديو المتداولة والتي تتضمن التوصية بالتوقف عن تناول الخبز لكونه السبب الرئيسي لمرض السكر، والواقع أن هناك عدة أصناف من الخبز تتدرج من الخبز الأبيض، وخبز البر العادي، والخبز المضاف إليه نخالة، وخبز النخالة وهو أفضلها وعادة ما تكون فيه نسبة النخالة مرتفعة جداً قد تصل إلى 50% في الأنواع الخاصة، هذه النوعية من الخبز مفيد "بإذن الله" لمرضى السكري وزائدي الوزن؛ لأن النخالة تعتبر من الألياف الغذائية وتكمن فوائدها في عدد من الأمور منها: أنها تساعد على حركة الأمعاء وإخراج الفضلات وتقليل بقاياها في الجسم، وهذا يحول دون الإصابة بالإمساك أو سرطان القولون "لا قدر الله" عند من هم مؤهلون لذلك، وكذا تساعد الألياف على خفض مستوى سكر الدم عند مرضى السكري.
هناك عدد من الأسباب التي تجعل النخالة تؤثر على دهون وسكر الدم، منها أنها تعمل على عزل الدهون الغذائية، وتعوق امتصاص بعضها من الأمعاء، ومنها أمور داخل الدورة الدموية مثل الاعتقاد بأنها تساعد على زيادة عدد مستقبلات الأنسولين عند مريض السكري، ولكن الدور الأكثر أهمية المتوقع من الألياف يكمن في أنها تحلل بواسطة البكتيريا في القولون وتنتج أحماضاً دهنية قصيرة السلسلة وهذه الأحماض تلعب الدور الأساس في التحكم في دهون دم المريض أو البدين.
من المفترض أن النشويات تشكل بين 45 و55 في المائة من الطاقة الكلية اليومية، بحيث لا تقل كميتها عن 50 إلى 100 جرام يوميّا، وحتى لا يتعرض الشخص لخلل في تمثيله الغذائي.
الغذاء السليم لا بد أن يتضمن مواصفات متكاملة يحدد فيها البروتين والفيتامينات والأملاح المعدنية، مع وضع نسب معينة للدهن والكربوهيدرات، أي معطيات الطاقة في الجسم.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل يجب أن نتوقف عن أكل الخبز؟ الجواب طبعاً لا، فنحن نستطيع أن نختار الخبز الصحي المصنوع من الحبوب الكاملة، أو نقلل من تناول الخبز الأبيض، فإذا وضعنا هذا الأساس أمام أعيننا، فإننا لا نحتاج إلى التوقف عن تناول الخبز، كما أننا لا نستطيع أن نتخلى عنه أو استبداله ببعض الأغذية بل نقلل من تناوله.
نشر معلومات غير واضحة وليس لها أساس علمي من أجل تشجيع الآخرين لينضموا إلى تلك الأقاويل والاتهامات، وحين تكون مسلحاً بالمعلومات الصحيحة تحفظ نفسك من الأخطار الصحية، فالخبز يعطينا الطاقة زائداً الفيتامينات والمعادن والألياف، ومع هذا فطعمها جيداً، وحاول أن تتعود أكل خبز البر أو المضاف إليه نخالة ومنتجات الحبوب الكاملة، لها فائدة عظيمة.
وفي الختام، صحيح الخبز من النشويات إلا أن النشويات لا تمنع عن مرضى السكري، وهذه النظرة كانت قديمة وما زال بعضهم يرددها وقد تغيرت منذ زمن طويل، والصحيح أن على مريض السكري أن يأكل حوالي 55% إلى 60% من السعرات الكلية من النشويات ولكن لا بد من ضبط الكمية الكلية لأكله سواء نشويات أو بروتينات أو دهون.
منصور الصلبوخ - اختصاصي تغذية وملوثات.



