أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

غذاء جديد في عالم جديد

منصور الصلبوخ · القطيف اليومالسبت 22 يناير 2022، 2:16 م
غذاء جديد في عالم جديد

يعيش اليوم فوق كوكب الأرض أكثر من سبعة بلايين إنسان، وكل هذه البلايين بحاجة إلى الغذاء، ولكي نمهد لقراءة مستقبلية نطرح في أذهاننا أسئلة مهمة؛ كم عامًا أخرى ستظل حياتنا الحالية بكل ما فيها من نباتات وحيوانات وكائنات حية على صورتها الحالية؟ وأي صورة ستصبح عليها العام القادم أو ربما الذي يليه؟ وهل سيظل العالم صامتًا أمام الحاجة الملحة لحماية الحياة؟
بنظرة متأملة للماضي الذي عاصرنا جزءًا منه نجد أن الغذاء من الطيبات فيه جوانب صحية وفوائد تغذوية، أكلات لها النكهة الطبيعية والمذاق الشهي، فيها الصحة والنشاط، كنا نتناولها مباشرة من الأرض الخالصة، الخالية من الكيماويات ومواد أخرى، والمستفيدة من دفء الشمس.
نحن الآن في عصر السرعة والتقنيات الحديثة، معظم الأغذية تحولت إلى شكل دون قيمة غذائية أو المذاق الذي كنا نعرفه أيام زمان.
موجة التقنيات التي اجتاحت العالم منذ عقدين من الزمن لا تبدو مقنعة كونها أدخلت لنا مخاطرات هددت الجنس البشري، فالوضع الغذائي في العالم يعاني من أمراض لم يعد مقبولًا للمستهلكين الذين ما زالوا رغم التطمينات الكثيرة غير مرتاحين إلى المنتجات المصنعة.
في كل يوم تخرج من مختبرات تصنيع الغذاء العالمية قائمة طويلة لأغذية نقرأ أو نسمع حول تأثيرها الصحي، فأين تكمن المشكلة؟
سلسلة من المعالجات تثير جدلًا واسعًا، فالتوسع الهائل ابتداءً من المضافات الاصطناعية التي تستعمل في تحسين طعم الغذاء، وشكله ورائحته، وإطالة مدة صلاحيته، تليها المستحضرات البيطرية والهرمونات التي تستخدم في إنتاج اللحوم ومزراع الألبان، وانتهاءً بالتقنيات الحديثة التي أفرزت في غذائنا شيئًا من سمومها مثل تقنية تشعيع الأغذية، وتعديل النباتات وراثيًا، إلى جانب معطيات التقنية المتقدمة وخاصة تقنيات النانو التي دخلت إلى عالم الغذاء والتغذية حديثًا.
يرى بعض المهتمين أن ظهور مثل هذه التقنيات هو من أجل تحقيق الأمن الغذائي أو الغرض العلاجي، وهناك مناصرون كثر يعتقدون أن توسعات في تطبيقات تقنية الغذاء مسألة مرتبطة بسلامة الأغذية المصنعة، هذه الصورة الملمعة لهذه الثورة الغذائية العتيدة التي تروج لها شركات تصنيع الغذاء وتصورها على أنها اختراق علمي هائل سيقضي على كل إمكانية مجاعة في العالم تخفي وراءها في الواقع حقيقة أقل لمعانًا وهي الارتهان الغذائي الذي سينشأ نتيجة الاعتماد على هذه التقنيات، فلا أحد يستطيع أن يقدم أي دليل على مأمونية وسلامة هذه التقنيات، في عالم تسوده حماقات الساسة، وأهل القوة المادية، أدى كل ذلك إلى تحميل جسم الإنسان الكثير من المخاطر الصحية، المعروف منها والمجهول، وأحدث خللًا وإرباكًا في قدرة الجسم على مقاومة الأمراض المستعصية وأمراض ضعف المناعة.
العالم متخوّف من ذلك المجهول الذي تسرب بالفعل إلى خلايانا ودمائنا، فهل هذه المنتجات الجديدة آمنة، أم يمكنها أن تحمل ضررًا لمن يأكلونها؟
ما نراه الآن من موجات القلق التي اجتاحت العالم نتيجة تفشي أوبئة ومخاطر هي في النهاية حصيلة التلاعب بالمعطيات الطبيعية.. قد خيَّبت تقنيات عالم الغذاء والتغذية الآمال والتوقعات لدرجة أن مستقبلها أصبح غير واضح.
من هنا، فإن الحديث عن غذاء مصدره الطبيعة وآخر مصنّع، فيه تلاعب مقصود بحقائق العلم، أو تضليل للرأي العام.
إذن؛ حين نتعامل مع الغذاء، فإننا لا نتعامل مع أطعمة طبيعية ذات قيمة غذائية عالية، وإنما مع مستحضرات اصطناعية ذات تأثير ضار على صحتنا. وضع قيمة الإنسان وصحته هدفًا أساسًا فوق الاعتبارات المادية، وهو ما لا نشهده دائمًا وللأسف.
ماذا سنأكل غذًا؟
طعام المستقبل في مختبرات اليوم، ما نشهده في هذا العصر الذي نعيشه، وما نتوقعه مستقبلًا من تقنيات عاثت في الزراعة وصناعة الغذاء، سيكون طعامنا في المستقبل بعيدًا جدًا عن مصادر الغذاء الطبيعية تحت شعار عجز الأراضي والمزارع التقليدية عن تلبية الطلب عليها، أو إيجاد بدائل أقل تكلفة وسد النقص.
أصبحت اللقمة التي نعيش عليها هي نتيجة انحرافات وتغيرات أثرت في سلامتها ومأمونيتها، فالزراعة معتمدة على الكيماويات والمخصبات، وحيوانات المزرعة مدجنة مليئة بالدهون والبروتينات والهرمونات ومعلوفة بالعلف الصناعي وأبحاث علوم الغذاء كثفت جهودها بصورة فعالة لصالح شركات متبنية لهذه الانحرافات اشترت الإعلام والأقلام لتحقيق أرباحها التجارية، فمن دون التقليل من واقع تنوع ووفرة الغذاء الذي لم يسبق له مثيل، يمكن القول إن البشرية عمومًا مقبلة على آثار صحية وبيئية مدمرة.
هل سنرى قريبًا تقنية النانو على موائدنا؟ هذا ليس بسؤال افتراضي أو على سبيل المزاح بل حقيقة داهنة يجب علينا التّفكير بها جدّيًّا.. يرى الكثير من الخبراء المعنيين بصناعة الغذاء أن تطبيقات النانو سيعول عليها بشكل كبير خلال المرحلة المقبلة في تصنيع غذاء المستقبل.
أصبح مألوفًا بشدة هذه الأيام أن نرى على موائدنا لحومًا مزيفة معظم مكوناتها صناعية، ويضاف لها بعض المواد المالئة من البروتينات النباتية مثل فول الصويا.
إن ما يقلق الناس هو ما نأكله وسنأكله في العقد القادم، تحولات جديدة تتعلق بمستقبل الغذاء وسوف تستهدف بالأساس التأثير السلبي المباشر على صحتنا وعافيتنا. الحقيقة أنّنا في عصر الجينات وتقنيات النانو، وقد نتج عنها قنبلة جينيّة أقوى وأفتك بكثير من القنبلة الذرية، وهذا ما نراه في مطاعم الوجبات السريعة، لحوم مزيفة أو مستَنبَتة أو مستنسخة يتم إنتاجها داخل المختبرات لسد الفجوة أمام ارتفاع أسعار الغذاء، وزيادة عدد السكان، والمخاوف البيئية الناتجة عن ذبح الحيوانات، وأن هذه القضايا الثلاث ستلعب دورًا في تحديد ما سنأكله وستكون جزءًا من وجباتنا الغذائية في السنوات القادمة، لحوم رخيصة الثمن ووفيرة لتكون غذاء للبشر، هل يعقل ذلك؟! وهل يمكن لتقنيات العصر أخذنا بهذه السرعة إلى عالم اللحوم المزيفة؟ ثمّ هل يمكن للمستهلك أن يتقبّل ذلك ويرى وجبته تشبه الكليماري في الشكل؟ لكن من يكترث؟ شركات مافيا الغذاء وجدت طريقها إلى المستهلك في ظل الانتشار الهائل لمطاعم الوجبات السريعة، لقد أصبحنا ضحايا هذه الصناعة المدمرة، هذه المطاعم التي تحمل الأسماء العالمية المعروفة تقدم منتجاتها وخبراتها التشغيلية والخلطات السرية للشركات الأجنبية.
من حقنا أن نتساءل من أين تأتي الأطعمة التي تبدو مألوفة في مطاعم الوجبات السريعة؟ باستثناء السلطات تتلقى سلسلة المطاعم السريعة الأطعمة جاهزة، إما مجمّدة أو معلبة أو مجفّفة وتحتاج خطوات بسيطة للإعداد.
سيكون للنانو تكنولوجي دور في رسم صورة طعام المستقبل، وسيأكل البشر في المستقبل "نانو طعام".
وأخيرًا، أين هذه الأيام التي كان الغذاء الطيب يمثل دواءً شافيًا؟ الغذاء الذي يجعلنا نعبر رحلة الحياة بأقل قدر من العلل والأمراض، لقد دار الزمن دورته، أصبحت أغذيتنا هي محصلة مجموعة من التقنيات جلبت لنا التعب والأسقام.
منصور الصلبوخ - أخصائي تغذية وملوثات.