في قنينة

كان واقفًا أمام البحر، يتنفس رائحة أمواجه، وينظر إلى زرقته، يبثه ما في ذاته، يهمس إليه ما أتعبه، وعندما أراد الجلوس على المقعد المخصص، وجد قنينة، لفت انتباهه وجود ورقة داخلها مثنية كثيرًا، أخذه الفضول؛ يا ترى ماذا يوجد في هذه الورقة؟ سأل نفسه.
تناول القنينة بيديه، حدَّق فيها، قرر أن يخرج الورقة منها، أخرجها، عليها قطرات من الماء، وبها رائحة عطر نسائي، فتحها ليقرأ ما كُتِب فيها، والهواء يتطاير، وصوت البحر يطرب مسامعه مع أمواجه المتراقصة، قرأ؛
زوجي الحبيب.. في الفترة الأخيرة من حياتنا حصلت العديد من المناوشات بيني وبينك، أصبحت الحياة لا تطاق، أنا أبذل ما في وسعي من الجهد كي أسعدك، وأنت تبذل ما في وسعك من الجهد لتصنع مشكلة، لقد تعبت كثيرًا من عدم احترامك لي، وأسلوبك غير اللائق معي، صنعت الكثر من البهجة والسعادة من أجلك، وفي سبيل رضاك، عملت حفلة عيد ميلاد، طرزتها بكل ما هو جميل، أهديتك العطر الذي تريده، والطعام الذي تهواه، واللحظات الجميلة التي ترغبها، أنتظر عودتك من سفرك، لا أذهب إلى عائلتي وصديقاتي، كلي منحتك إياه، أشعر بأني استنزفت مشاعري، وعطائي، كل شيء استنفدته لأجلك.
سأخرج إلى الحياة، ولن أعود، الآن، أضع رسالتي إليك في هذه القنينة، أريد الحفاظ على الفتات الذي لايزال في ذاتي، الذي يمكنني أن أعيشه بعيدًا عنك، لأعيد لحياتي رونقها، وإلى كل تفاصيلي الحياة بعد أن شيعتها سنوات إلى القهر والحرمان، أنفذ كلامك الذي طالما رافقه صراخك: اخرجي من المنزل لا أريدك، ألا تذكر هذ الكلمات التي حفرت بقلبي جرحًا لا يندمل، صدقني فإن حياتك ستكون أجمل بلا ظلي، وصوتي، لمساتي وألواني، ستكون سعيدًا، كل الأمنيات لك بالتوفيق والسعادة.
تأنيب ضميرك..
خلود
انتاب مدحت الاستغراب والدهشَّة، وضع الورقة في مكانها، جلس يتأمل، يحلل فحوى الرسالة في مخيلته، تمتم في نفسه: إيه..، إن الكثير لديهم مشاكل ومعضلات، لست أنا وحدي في هذا العالم.
ضرب بقوة على المقعد، وتناول القنينة، أخرج الورقة، فأغمض عينيه برهة، استجمع أنفاسه، أصغى إلى نبضات قلبه، وألقى الورقة بعيدًا باتجاه أمواج البحر الهادئة، كي تتحرر الكلمات من القنينة، فإنها بحاجة إلى التنفس والانطلاق، كصاحبتها، وغادر البحر، ليتحرر من أحزانه، وقلقه، ليعانق الضوء من جديد، إنه يتنفس.



