هوية ضائعة (1)

قد تجد هذا العنوان بقسم المفقودات وهناك من يبحث عن هويته التي لم ينتبه لسقوطها منه بأحد الأماكن.
ولكن للأسف قد نفقد هويتنا كنوع بشري ولا نضع إعلانًا حتى يساعدنا أحدهم لنجد هويتنا الضائعة.
قد نفقد هويتنا كإنسان أولًا يحمل ما يحمل من مشاعر وأفكار تميّزه عن باقي الكائنات، لكننا قد نتنازل عن إنسانيتنا لنصف بمصاف البهائم حين يكون همنا مثلها همها علفها، وأيضًا البقاء في غابة الحياة للأقوى دون ترك مجال أننا بشر خُلقنا لنكون مسخرين لبعضنا البعض وواحدنا يساعد الآخر في رحلة التكامل التي نسعى لها.
وهناك شيء آخر بتنا بهذا الزمن نفقده بهوايتنا فحين تُطلب منا معلومات الهوية فبعد طلب الاسم يطلب تحديد الجنس ذكرًا أم أنثى؟
صرنا لا نعرف الآن من هو الذكر ومن هي الأثنى، صرنا نرى رجالًا بالاسم فقط لكن الشكل والتصرفات المتميعة هو لأنثى، وبالمقابل هناك فتيات بالاسم فتاة لكن اللبس والشكل هو لرجل!
بات الرجال يُطيلون شعورهم وينعمون وجوههم ويحلقون لحاهم وقد يصلون لدرجة لبس الذهب وكأن لا فرق بينه وبين شكل المرأة!
بالطرف المقابل النساء باتت تحلق شعورها ويشابه لبسها لبس الرجال واهتماماتها مثل اهتماماتهم.
وليت الأمر متوقف على تغيير الشكل فقط فهناك من يغير شكله ليصدق أنه أصبح من الجنس الآخر، ليغدو بعلاقة مثلية مبررة لفطرته التي بالطبع تقاومها، هذا إذا لم يزد الأمر سوءًا وسعى لتغيير جنسه فعلًا وتغيير اسمه معه ليصبح كائنًا متحولًا لا يُعرف جنسه.
هذا الأمر رغم حساسيته إلا أنه موجود ونراه بأقرب مدرسة للأولاد أو للبنات بالمعاهد والجامعات وربما حتى بمؤسسات الأعمال.
قد لا نستلطف وجودهم وقد نخاف فوجود "بوية" مثلًا بمجتمع نسائي يجعلنا نشعر وكأن هناك رجل بيننا حتى لو كان يحمل هوية أنثى.
ولكن قبل مهاجمتهم فلننظر للأسباب التي خلقت هذه الفئة المتمردة على جنسها، فمثلًا حين تنشأ الفتاة وسط بيئة من الذكور تراها تأخد من اهتماماتهم وصفاتهم، وكذلك إذا اعتاد الفتى على الدلال وكان بمصاف دلال الفتيات أصبح رجلًا بصورة فتاة، فالتربية لها دور كبير وكذلك الترويج بهذا الزمن للشذوذ الجنسي له دور في تنامي هذه الفئة بشكل لا ينفع تجاهله.
حين يختل ميزان الفطرة فهناك خلل حدث لهذا الإنسان وبالطبع لن يكون الحل تغيير جنسه بإحدى العمليات وتغيير طبيعته وميزان هرموناته.
حين نولد من بطون أمهاتنا خلقنا الله واختار لنا أن يكون الذكر ذكرًا والأنثى أنثى ودعك من حملات المساواة البائسة التي لا تراعي اختلافات واحتياجات كل جنس (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ) حتى لو كانت هناك مساواة بالعمل فالله يتقبل من الأنثى كما يتقبل من الذكر؛ كل حسب عمله لا مفاضلة بينهما.
فجهاد الرجل ومبارزته لأعداء الحياة له أجر عظيم بمقابله يكون حسن تبعّل المرأة لزوجها ورعاية أطفالها وتربيتهم هو جهادها الذي يتناسب مع طبيعتها ويعطيها نفس أجر الرجل المجاهد.
ومن لطف الله بالمرأة التي تتحمل المشاق والآلام بالحمل والولادة والتربية أن جعل الجنة تحت قدميها، ولكن هل الجنة تحت أقدام كل الأمهات؟
فهناك أم تنجب وهناك أم تربي وهناك أم تستغني عن أبنائها وتتركهم يواجهون فتن الحياة ويغترون بها دون أي توجيه، فهل تكون الجنة تحت أقدامهم كذلك؟
رسول الله (ص) يقول "تناكحوا تناسلوا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة" ولكن هل من المهم النظر للكم دون الكيف؟
فأن تأتي بولد أو ولدين وتُحسن تربيتهما على الدين القويم خير من إنجاب عشرة أولاد يتولى الجوال أو الآيباد تربيتهم ويُعيثون بالدنيا الفساد.
المشكلة باتت ليست منحصرة على تغيير جنس لجنس آخر، فنحن نفقد بعض الصفات الرئيسية بهوايتنا الجنسية فالرجل من صفاته الغيرة، وقل لي بربك أين هي الغيرة ضائعة اليوم لنجدها؟
ومن صفات المرأة الحياء وقل لي أين هو الحياء أرتحل لنجده؟
البارحة أزعجني منظر أعده منظرًا لتشوه بصري يحتاج الإزالة أكثر من المباني غير المتناسقة الألوان، حيث كنت أنتظر أخي بالخارج فمرت أمامي سيارة بها امرأتان وقد رُفع صوت الأهازيج عاليًا وكانت المرأة الراكبة تتمايل مع الصوت رافعة يديها للأعلى والمشكلة أن المرأة لم تكن صغيرة لنقول طيش مراهقين مثلًا، لكنها من عمر يفترض هي من تعلم الحياء لا أن تكون فاقده له، فهل هكذا تكون هوية الحياء لدى المرأة؟
هل هكذا نقدم فرحتنا بميلاد من يُعلمنا الحياء من الله قبل الحياء من خلقه؟
الزهراء (ع) مع قصر عمرها روحي فداها وإنجابها لعدد قليل من الأولاد إلا أن تربيتها لهم كانت كافية ليكونوا قرة العين التي تقر عين رسول الله (ص) في الدنيا والآخرة.
وأول قرة عين وأول ريحانة للرسول نبتت من شجرة الإمامة من بيت فاطمة وعلي (ع) هو مولانا المجتبى (ع) الذي حمل كمًا هائلًا من الأخلاق الكريمة والحسنة ليكون هو وأخوه الحسين (ع) القدوة والمثال للشباب فهما سيدا شباب أهل الجنة، وقل لي هل هناك غير الشباب بالجنة؟
هو من حج حافيًا حياء من الله، وحين سألوه عن ذلك قال: إني لأستحي من ربي أن ألقاه ولم أمش إلى بيته فمشى عشرين مرة من المدينة على رجليه.
كان إذا توضأ ارتعدت مفاصله، واصفر لونه، فقيل له في ذلك فقال: حق على كل من وقف بين يدي رب العرش أن يصفر لونه، وترتعد مفاصله.
أي حياء أمام رب العباد هذا الذي علمتنا إياه ولم نبذل منه شيئًا للأسف فنحن أقرب للتجرؤ من الحياء في شهره الكريم.
يا شهر الله انتصفت أيامك وتمرة أفطار النصف هي من يد الحسن الزكي (ع) التي ولدت اليوم صغيرة ولُفت بحنان فاطمة ورعاية علي وبعين رسول الله (ص) لتُعطينا نتاج أفضل بيت بالوجود بيد كبيرة بكرمها حيث لا ينافسها كرم مليون حاتم طائي ليُعطينا قرقيعان ميلاده باسترجاع هويتنا الضائعة التي لا تقاس بثمن ولتكون ناصفتنا الرمضانية من يده حجة مقبولة بإذن الله نستعيد بها عمرًا جديدًا وهوية جديدة من فيض كرمه وكرامته.



