أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

طعامك خارج المنزل في ميزان الصحة

منصور الصلبوخ · القطيف اليومالجمعة 27 مايو 2022، 6:13 م
طعامك خارج المنزل في ميزان الصحة

من منا لا يحب أكل المطاعم؟ إن كان ثمة أناس لا يحبونها فهم العدد الأقل! إن المطاعم تعد بحق إحدى المتع واللذائذ يحبها الجميع أطفالًا وكبارًا، فمن ذا الذي يستطيع مقاومة إغرائها، إنها مشتهى الناس، كل الناس ويبقى الذين لا يحبونها هم الأقل عددًا.
اللافت للنظر هو تشبع منطقتنا بالمطاعم، فعددها كبير جدًا تشكل عالمًا خاصًا، منها ما هو معروف وذو سمعة جيدة وتميز وتنوع، وتصر إدارتها على أن تكون جميع المواد المستخدمة في إعداد الطعام طازجة وجيدة رغم أنها تمثل عبئًا ماديًا على المشتريات، فجميع الأصناف التي يقوم بإعدادها وتجهيزها ذات جودة عالية ونظافة مضمونة، وأيضًا هناك عددًا من المطاعم مجهول الهوية، وبهذه الكثرة وتفاوت الجودة قلل من ثقة رواد المطاعم، وقد يقع في فخ السعر الأعلى بحثًا عن الأفضل وقد لا يوفق في ذلك.
واليوم وبعد أن انتشرت المطاعم في كل شارع وسكة، مطاعم شعبية يقبل عليها عامة الشعب، خطفت المأكولات التقليدية والمغلفة بأسرار الطهو المتراكمة منذ قرون، ومطاعم تقدم خدمة سريعة، وتؤكل في فترة وجيزة، ظاهرة حديثة، تحوي فيما تحوي من خفايا وأسرار، وابتكار طرائق وأنواع جديدة تثير التيه والإعجاب، كل ذلك أعطاها التميز والمذاق الخاص، ويكمن سر نجاحها أيضًا ليس لطعم الأكل فقط بل لعوامل الجذب التي لا تتوفر في المنزل، مثل: طريقة تقديم الطعام والأجواء المحيطة به، ومجموعة من اللمسات الجمالية، كل هذه عوامل تساعد على جاذبية الناس للمطاعم وخصوصًا الأطفال والشباب الذين يمثلون الشريحة الأكبر من المجتمع.
لقد أصبح الأكل خارج المنزل أسلوب حياة في هذا العصر الذي لا يجد فيه الإنسان وقتًا لطهي الطعام، حتى اكتظت البلد بالمطاعم والمطابخ والبوفيهات، وجبات شدت أنظار الناس إليها بصورها وألوانها وأشكالها وتنوّع أشكال عرضها.
الحديث عن سلبيات المطاعم أمر ليس بالسهل تقبله، وغير مناسب لمن يحبون وجباتها إذ يعتريه كثير من التدليس والمبالغة مما تفقده المصداقية، ونحن لا نحبذ إثارة مثل هذه الزوابع العامة، وهذا لا ينفي أن بعضها سبب مشكلات صحية، لكن القاعدة العامة هي أن أي مادة أو جهة يثبت أنها مضرة بالصحة بصورة قطعية، فأبعدها عنك أو من قائمة طعامك.
قد يتساءل البعض عن جدوى الحديث عن المطاعم ونشر سلبياتها عبر قنوات التواصل ما دام هناك أناس لا يريدون سماع مثل تلك السلبيات؟ نجيب، رغم أن هناك فئات يفضلون الوجبات الجاهزة خارج المنزل على الطعام المطبوخ بالمنزل، وقد شاءت دون اعتبار لجوانب التأثيرات الصحية، ورغم ما يترتب على ذلك من تكاليف باهظة، فالجميع يدعي الجودة العالية والخدمة الجيدة، والنظافة الفائقة، ولكن دعوني أمر سريعًا على بعض ما نشهده، ابتداءً من نوعية مواد الخام التي تستخدم في المطاعم، فمن أين يشترون مواد الخام؟ عشرات شاحنات شركات التموين الغذائي وتجار الجملة الممتلئة بصناديق وكراتين المواد الغذائية الخام والجاهزة ومستلزمات المطاعم تجوب الشوراع وتفرغ حمولتها على المطاعم والمطابخ والبوفيهات، وتعد من الأصناف الاقتصادية ذات الجودة والسعر المنخفض.
ولاشك أن أصحاب المطاعم وشركات التموين لديهم فلسفة واحدة، وهي الصبغة التسويقية أو التجارية، وهذا حق لهم كون هذه الشركات تستثمر أموالها في مثل هذه المشاريع، لكن أن تبالغ في الفلسفة السوقية على حساب صحة الناس، هي من سلبيات الزمن المعاصر.
إن دخل المطاعم اليوم يزداد أكثر وأكثر، أساليب تخفيض التكاليف بهذف زيادة الأرباح، إجراء متبع من أصحاب وملاك المطاعم، فقد أثروا ثراءً فاحشًا، إن المسألة هنا ليست مسألة استثمار أو جني أرباح، إنما في الأمر شيئًا أبعد من هذا، هو السلوك الخاطىء الذي يتبعه أصحاب المطاعم في اختيار قدر الإمكان مواد خام منخفضة الجودة وبأقل تكلفة، هذا بالطبع سينعكس على جودة منتجاتهم، وزاد الأمر اتساعًا عندما أخذ منحنى آخر وخطير، وهو سلامة ومأمونية الطعام، أقول هذا وأكثر من هذا! بداية من اللحوم الحمراء والدجاج والسمك بالإضافة إلى الصلصات التي تستخدم بكثرة وهي غنية بالصوديوم والمخللات والزيوت وبدائلها، ومرورًا بالخضروات المعلبة ونهاية بالمضافات الاصطناعية.
فاللحوم التي تباع في المطاعم -للأسف الشديد- ليست كاللحوم التي تعودنا على تناولها، بل هي لحوم غير آمنة فقدت صلاحيتها كأن تكون لحوم مصدرها حيوانات هزيلة، أو مريضة، أو مجهدة أو كبيرة، أو مذبوحة بعد النفوق، أو معلوفة ببروتينات حيوانية، أو من مخلفات مشاريع الألبان التي حقنت بالهرمونات والمضادات الحيوية، تذبح في المسالخ مباشرة ومن ثم يتم تموين المطاعم والمطابخ ومراكز التسوق، فهل نحن في مأمن من هذه اللحوم، أم الأمر متروك للجهات الرقابية؟.
وغني عن القول أن هذه اللحوم تعتبر مخلفات سامة وهي شديدة الخطورة وتتحول إلى مواد مدمرة تؤدي إلى نشوء أمراض وسرطانات، ولرواد المطاعم الخيار في تناول اللحوم من أماكن موثوقة أو خلاف ذلك!، فأين نحن من تلك اللحوم البلدية الطازجة ذات الجودة والنكهة الطبيعية الشهية، طيبة المذاق والتي مصدرها مواشٍ أو دواجن معلوفة بالحبوب الطبيعية والعشب الأخضر وفي الهواء الطلق، وهي أغلى ثمنًا بشكل ملحوظ من غيرها نظرًا لكونها أغذية حية وخالية من الملوثات.
يجب على الجهات الرقابية تشديد الرقابة على اللحوم التي تصل إلى المطاعم والتأكد من إجازتها من الجهات المسؤولة، ولا تحمل أمراضًا أو ملوثات، وأن تكون طريقة حفظها بعد الذبح صحيحة، وطهيها بنضج كامل، فقد تحتوي اللحوم غير كاملة النضج على جراثيم متحوصلة لا يقضى عليها إلا بعد الطهي الكامل.
- استعمال أنواع رديئة من الزيوت النباتية أو زيوت قلي ذات جودة منخفضة مثل زيت النخيل، هذه النوعية من الزيوت لا تتحمل تسخين عالي وسريعة التأكسد لذا يتم إضافة مركبات مضادة للأكسدة بعضها له تأثيرات مسرطنة، والحذر كل الحذر من تكرار تسخين هذه الزيوت وإلى درجات حرارة مرتفعة، لأن التسخين المتوالي يؤدي إلى احتراق أجزاء من مكوناتها وتختلط الأجزاء المحروقة المتفحمة مع المادة الغذائية كأقراص الفلافل والدجاج المحمر في الزيت.
- خطورة استخدام البلاستيك في أغلفة وعبوات الطعام، فالبلاستيك مادة غير آمنة، وتزداد الخطورة في حالة استخدامها في الأطعمة الساخنة.

- عدم التزام المطاعم بالاشتراطات الصحية بداية من شراء الأغذية مرورًا بتخزينها الصحيح ثم مرحلة إنتاجها وتداولها من قبل العاملين حتى تقديمها للمستهلك، حيث إن أي خطأ في تلك المراحل جميعها أو إحداها يمكن أن يؤدي إلى فساد الغذاء.
هذه الأيام لا تكاد تتصفح قنوات التواصل إلا وتقرأ عنوانًا مروعًا عن حملات مفاجئة تم فيها ضبط كميات كبيرة من اللحوم والدجاج المجمدة والمستوردة يتم إذابتها وتغليفها بتاريخ جديد وتسويقها على المطاعم بفاتورة شرائية منخفضة، فماذا يجب أن يفعل أصحاب وملاك المطاعم أمام مغريات المكاسب وجمع الأموال، هم لا يكترثون مما سيحدث جراء تناول هذه الأطعمة والتي ستؤدي إلى تسميم أناس أبرياء، فهل إقفال المطعم والغرامة المالية والعقوبات الشديدة كافية لردع لكل من يتساهل في الإضرار بحياة الناس؟!، هذه المطاعم الملوثة التي تتربص بروادها وتسممهم وراءها أشخاص ضمائرهم مختومة بالشمع كل همهم جمع الأموال وإن كانت على حساب الأبرياء من الناس.
فسموم المطاعم دليل يدين أصحابها وهي غير قابلة للتعويض بعد أن يفتح المطعم من جديد، ويتسمم ضحايا جدد، وهكذا.
الكثير منا على دراية واسعة بأمور المطاعم التي تبين مشكلاتها والمخالفات التي أوقعت أصحابها بالعقوبات الجزائية، وهذا هو سبب عزوف البعض عن هذه المطاعم وعودتهم إلى مطبخ الأم!.
علينا أولًا أن نتحكم بميلنا إلى لذة الطعم والانسياق وراء راحتنا أكثر مما يحق لنا بذلك، فالمعادلة بسيطة وهي بين ربح الوقت الذي يؤمنه تناول الطعام خارج المنزل، وخسارة الإنسان لصحته، والتي تسبب بها ذلك الطعام، وبين الوقت والصحة؛ تبدو الثانية هي الأهم.
من لا يخاف الله في عمله فإنه يخسر كل شيء، فأصحاب المطاعم أو المنشآت الغذائية لا بد أن يضعوا في اعتبارهم سلامة الناس، فلا بد أن يكونوا أمناء مع أنفسهم قبل الآخرين.
من الأفضل تجنب أو توخي الحذر والانتباه عندما تتناول الطعام خارج المنزل، نظرًا لكون معظم المطاعم لا تتوفر بها مقومات النظافة والصحة، وإذا كان لزامًا فاختر المطعم الذي ذاع صيته بين الناس، وذا السمعة الجيدة والمعرفة به مسبقًا، ويتقيد بالضوابط الصحية، وأيضًا تكتفي العائلة بوجبة واحدة في الأسبوع، ويأتي من باب النزهة وحبًا في التغيير وبعدًا عن جو المنزل.
لا شك أن الوعي والإدراك والإلمام بجوانب غذائنا وما ندفعه لأفواهنا على مدار اليوم والليلة من الأمور المهمة في حياتنا، ولكن لنا أن نتساءل عن سلامة ومأمونية وصلاحية الوجبات التي تقدمها المطاعم.
كثيرًا ما ينصح اختصاصيو الغذاء والأطباء وذوو الثقافة الصحية بتناول الطعام المنزلي، نظرًا لما يحويه من قيمة غذائية وسلامة صحية، وعلى النقيض تمامًا من تلك النصيحة تجد أهل الغذاء والأطباء ينصحون بالابتعاد عن تناول الأغذية خارج المنزل.
إن كان لي ثمة رأي في الأمر فهو أن البداية الصحيحة في التعامل مع الواقع تبدأ من الأسرة الواعية الإيجابية تتعامل مع معطيات عصرها بواقعية بعيدة عن المبالغات والمغالطات، لا يكفي أن نسخط من انتشار المطاعم، ونعلن حالة الطوارىء الكلامية والتهويلية مع ترك الحبل على الغارب لأبنائنا للذهاب متى شاءوا والتهام ما شاءوا دون قيد أو شرط بلا وعي أو تربية، ثم نحمل غيرنا الأخطاء ونشن الحملات غير الواقعية والحلول التي سوف نفشل في تطبيقها.
بقي أن نؤكد أن هناك مطاعم راقية ونظيفة ولكنها قليلة، ونترك بقية الموضوع لتأملات وآراء رواد تلك الأماكن، وبين الرأي والرأي الآخر خرجت بتساؤل مفاده: أيهما تفضل. طعامك خارج المنزل أم طعامك المنزلي، ولماذا؟
- أفضل الطعام المنزلي من منطلق متقن الطبخ وطبيعي المحتوى، بينما لا تعرف شيئًا عما يقدمه المطعم!
ختامًا نشير إلى أننا لم نكن في هذه المقالة بصدد نقد فكرة الاستثمار السليم في المنشآت الغذائية، بل كان هدفنا لفت النظر إلى مسائل بالغة الأهمية بدأت تفرض ذاتها بإلحاح، هي تبني الثقافة السوقية وما تحمله من مخاطر على صحة الإنسان وسلامة المجتمع، بفعل استعمال مواد خام رخيصة الثمن ورخيصة القدر.
منصور الصلبوخ - اختصاصي تغذية وملوثات.