أمي من فريق الأطرش «14»

تتهادى قوارب القادمين إلى ضفاف جزيرة تاروت الملئ بالكنوز والمووايل، عشاق البحر والأسفار انشدوا شوقا للديار، تغنوا حبا للأرض والأهل والخلان، عطر الذاكرة والأيام الخواليا أشجان مؤرقة ونسائم عليلة.
تحدثني أمي بأن والدها محمد هبوب كان ملازمًا لوالدته فهو وحيدها، توفي أباه وعمره سنة واحدة، لم يحظ بحنان الأب، وحين تزوجت أمه الحاج قاسم حماد عاش معهما في أحد منازل الديرة، تربى تحت رعاية عمه وبعد أن كبر قليلًا، أنجبت له أمه أخًا اسمه حسن - والد الشيخ غالب حماد - والمفارقة بأن حسن تزوج قبله، وخبأ له القدر حسرة وألمًا، فبينما هو غائب في رحلة غوص أتى أمر الله وقبض روح والدته، لم توضع الفاتحة إلا بعد رجوع الغواصين من البحر حسب الوصية، وأراها الثرى أخيه حسن، وقالت الجدة لحفيدها الحاجة "مريم بنت قنمبر" وهي تجر الآهات وتتنهد بالحسرات على فقدها لابنتها "آمنة بنت محمد آل زريع"، "حسنوه دفنت أمك - نعم ياجدتي - ربيت لولاد وأحسنت الربى فيهم، ربيت لولاد إلى وقت المكاد راحو يكدوا على اللي ماتعب فيهم"، "إيه يا دنيا اللي ربت وتعبت وساهرت الليالي راحت، الحين تاكل المكده لمرية".
حين قدم جدي من رحلة الغوص، قاصدًا بيت خاله "مأواه" بعد أن شب عن الطوق بهجران بيت زوج أمه، جلس يأكل حبات من التمر وهو يسترد أنفاسه، شاغبه طفل ذو العشر سنوات يدعى"علي محمد آل زرع" يحوم على رأسه ويلقى على مسامعه جمر الكلام:
"هبوب، من چم يوم الدراس يدرس على واحدة متوفيه، تعرف من هي - ويش دراني، كل يوم يگروا في بيتنا - ايلاويه، يجيبوا فناجين ودلال وگداوه ونوارجيل ويگعدوا يسمعوا - ويش صاير - يگروا بعد ويه، ويصبوا قهوة ويشربوا گدو ونارجيله،- ايلاويه يگروا- هبوب ترى أمك ماتت - داكي أمي متگنعة يمكن تعبانه ماخذه ليها غفوة، لا النايمة ماهي أمك هذي خالتك، امك نايمة في المقبرة"!
جلست خالته من غفوتها وجاوبته" گواك الله يا ولدي جيت من الغوص، عظم الله أجرك، أميمتك راحت الجنة، الله يرحمها برحمته الواسعة" ينظر مبهوتًا، واستكملت وهي تطبطب عليه بهمس الكلام الصاعق" قبل لا تموت الكل جالس عندها، قالت طاولوني ماي بالعجل، باغر روحي، ترى نفذ علي القضاء، توها حاطه تبلة الماي على لسانها، قالت: في أمان الله سلموا على الغايب ولدي محمد"!
بهت ولدها من وقع الخبر مثل رصاصة اصابته في مقتل، انتحب باكيا، صارخا، مناديا: "وينش يا أماه.. ليش رحتي عني وخليتيني وحيد". شاب مقبل على الحياة لم يبلغ العشرين من عمره، أصبح يتيم الأب والأم.
بعد أن فقد جدي والدته أصبح تائهًا، كمركب تتقاذفه أمواج الأحزان، تذكر لهفة أمه وأمنيتها بأن تراه عريسًا، صدى صوتها يتردد على مسامعه: "ياولدي بعلگ لفريات وبالبسك" البشت" والعقال وبنثر على راسك الريحان، وصندوگي" المبيت" باطلع منه فوبي الجديد الهاشمي المطرز بالزري، ما ألبسه الا في ليلة عرسك يابچري يامحمد".
هادم اللذات سلب الأماني في عز الشباب، أم لفت بحرام الحج واسكنت في دارها الأبدية، وجهها النوراني مستقبل القبلة، ودعتها الأحبة إلا ابنها الأكبر، ما أعظم رحيل الأم والولد غائب عنها، حسرة في القلب وعتاب نفس، من شدة تعلقه بأمه تزوره في الأحلام، تسأل عن أخباره وتناديه" اشحالك ياولدي، عساك بخير"!.
مع الوقت تغلب على جراحات الفقد ومكابدات الوجع، مطالبًا خيلانه بالتي هي أحسن: "يا أم تعرسوني أو تعطوني ورثة أمي" تحصل على مبلغ وقدره، خمسون ريالًا مع صندوق والدته ومنامها الذي جدده عند النداف حجي رضي الشايب، هذا ما تبقى له من ميراث أمه مضيفًا إليها 200 ريال من عرق جبينه، جعلهما مهرًا لعرسه، تم زفاف جدي محمد حسين هبوب على جدتي ليلى مهدي آل زرع، وحيث لا يوجد مكان يضم العرسان ناداه عمه زوج أمه قاسم حماد أن يعيش معه في الديرة برفقة أخيه حسن، منزل واسع يحوي دورا كثيرة تسمى (منادبين) أكواخ جدرانها مبنية بحجارة الطين، والسقف على شكل "جملون" مغطاة بـ"السميم" مجموعة "حصر" عريضة الخوص ذات طبقتين متلاصقتين مع بعضهما بواسط حبل متين تحيكه ربطًا "المسلاة"، يفرش"السميم" على عوارض من جذوع الشجر، سقف ساتر يحجب ضوء الشمس ويقلل بعض الشيء من انهمار المطر.
جدي العريس ضمته"المنادبين" لسنتين، ساعيًا وراء "المكدة" باحثًا عن رزقه بنفسه، متنقلًا بين اللونين الأخضر والأزرق، مهنتين موزعتين، فلاح في موسم الشتاء، وعند حلول الصيف يذهب للبحر - سياب على ظهر السفينة، لأنه لا يستطيع الغوص في أعماق البحر بسبب ضيق في صدره "صدير" أنهكه مرض الربو، إذا تأزم حاله يرتمي أرضًا من شدة السعال، مهنة "السياب" أقل مشقة من الغواص بكثير وحتى لو فلق الآف المحارات، فأجرة الاثنين عند "النواخذية" مختلفة جدًا، الأول يجر الحبل الذي يتدلى فيه الغواص ليساعده للخروج من القاع، بينما الثاني معلق بين الحياة أو الموت تحيط به كائنات مائية خطرة أسماك القرش المفترسة، "الجراجير" التي لاترحم من يقترب منها، أو يداهم الغواص "عافور الماء" وربما تعلق رجلاه بين صخور ومرجان البحر، كل هذا من أجل الحصول على اللؤلؤ أو الدانات.
وبغض النظر عن المفاضلة بين دور الغواص والسياب الكل غائب عن أهله لمدة ثلاثة أو اربعة أشهر هي فترة رحلة الغوص، تجوب بهم السفينة عباب البحر، تنازعهم المخاطر، بين نقص في الطعام وشح ماء، وكم بحار قضى نحبه، يعم حزن وألم الفراق قاس بعد أن تلقى الجثة في عرض البحر.
صعوبات جمة إذا ظلوا الطريق، أو "شارة" سفينتهم أي اصطدمت بنتوئات مرجانية متكلسة طافية، ربما تتهشم والإصلاح مرير، والتعب يتضاعف عند هبوب رياح عكس المسير، ينزل الشراع ويربط بـ"الدقل" و تنبرئ السواعد بتحريك المجاديف، صفان من الرجال يمينًا وشمالًا يقومان بالتجديف في وقت واحد حسب الاتجاه المراد، مشاق ومخاطر جمة محدقة بأرواح الجميع.
البحارة العائدون إلى ديارهم كأنهم ولدوا من جديد، أية مأساة حلت بالبحارة العائدين وهم يتهادوا على رسلهم قبل موعد وقت (القفال) بأيام معدودات، فجأة اكفهرت الدنيا أثناء رجوعهم تباعًا، وفي لحظات رهيبة هبت عاصفة شديدة، ريح صرصر عاتية، لم يحسب حسابها أحد، أجنت العارفين بأحوال الطقس المعتمدين على حساب النجوم، تبخرت معرفتهم بالفصول، لحظات مجنونة، اكتسحت الجميع، كأن القيامة قامت، ريح قلبت موازين "المحامل" رأسًا على عقب، وأغرقت بمن فيها ومن عليها، سفن تكسرت وتهشمت، رجال تاهوا في غياهب الأمواج الطائشة، جثث غرقى، أجساد صرعى، أصبحت ولائم لأسماك البحر، من جراحير وهوامير، من سلم من الالتهام سحبه الموج وألقاه على الأسياف، نياحة في كل بيت، أرامل ظلت تبكي أزواجها حينًا من الدهر، وألاد وبنات تيتموا، والمعيل ذهب دون رجعة، وأنشد الشاعر عيسى محسن التاروتي مصورا الفاجعة الأليمة التي حلت ببحارة القطيف:
"ياهي سنة سنت علينا إبجورها واجفت، وحقوق غلها علينا الغادرة واجفت، واسعود ليام مرن إبها الصبر واجفت، جتنا إبليلة غدر ماحنا لها نعتاد، سفن البحر شلها ماشد لينا إعتاد، طحنا على وجوهنا وصرنا إبفكر لعتاد، صحنا ياخالق الكون اغثنا واجفت زهيرية وثقت" سنة الطبعة".
وهناك أشعار أخرى صورت المأساة من كل جوانبها، سميت بهذا الاسم لأن المراكب "طبعت" أي غرقت بكامل حمولتها تحت سطح الماء، وأيضًا سميت بـ"وقعة السايبة" لشدة قوة العاصفة التي لم "تسيب أي محمل إلا دمرته"، رجال قضوا نحبهم من أجل لقمة العيش، غدرت بهم الرياح على حين غرة، جثث طافية تلاعبت بها الأمواج كأنهم قرابين"لأبو درياه".
أصحيح تخوف الناس من دخول البحر بعد واقعة الطبعة، ليس لهم من سبيل إلا البحث عن الرزق، لم يستكينوا خلف متثائبا "ويش لك بالبحر وأهواله ورزق الله على السيف"، لم يكن بريق الدان ولا كل الأسماك تأتي طواعية للشواطئ، الخير الوفير يسكن أعماق البحار.
أيام صراع ومقارعة الأمواج ومداهمة انفجار الأذن، صنوف عذاب من أجل لقمة العيش، ملاحم سطرها الأولون، مدونة على جدران الزمن.
ما أجمل منظر العائدين من رحلات الغوص حيث تقف الأهالي مجتمعة من أطفال ونسوة تحيهم عند الشواطئ، هذا يقبل رأس أمه وذاك يعانق زوجته، أطفال يطيرون فرحًا تتلاقاهم سواعد أبائهم وترفعهم عاليًا، زغاريد النساء تطرب الأسماع بهجة وحبورا: "حياكم الله يهل الغوص حياكم، ياللي تمروا على الحمام محلاكم، امقدر الله يانسوان جيناكم، ياللي ترفلوا بديرمكم وحناكم، تعالوا يا غواويص ترى البارح ضرب، والحنة خمريته والمشموم اخترب".
أحد العائدين من رحلة الغوص جدي، بعودته كان وجلًا، وحين دخل البيت سمع بكاء أطفال، تهلل فرحًا، "مبروك يا هبوب جابوا لك افنين" رزقه الله بـ"توأمين" ولد وبنت، سماهما فاطمة وحسين، هي دار شهدت صراخهما ليل نهار، صدر جدتي يتنقل سقيا بين الاثنين.
ذات ليلة تقلب جدتي بنتها فوجدتها دون حراك، لا تفتح فاها وقلبها متوقف، لقد غادرت الحياة بعمر الشهرين، وبعد شهر تقريبًا وفي هجعة الليل تقلب ولدها حسين فوجدته يزفر ويلفظ أنفاسه الأخيرة، صرخت صرخة هزت اركان البيت وغابت في النحيب، "عافت" أمي العودة الدار وكل غرف بيت عمها، بل الديرة بأكملها، فقد أبلغوها "ضرابو الفال" بأن الدار التي كانت تسكنها لاتريد "ربى الأطفال، مسكونة بالجان، هبت مسرعة مع جدي للعيش في مزارع الشمال "نخل خشكار" بفريق الأطرش.
حاولت أن تنسى رحيل توأميها بتغير أجواء المكان، كل يواسيها، ويخفف عنها هول المصاب وأن حالها مشابه لحال الكثيرات ممن يفقدن أطفالهن صغارًا.
بضعة أشهر بدأت بوادر حمل جديد، تلد جدتي بمولودة أسمتها زينب، طارت فرحًا بمقدمها، مستفتحة بأطلالتها بين الزرع
فقد أنجبتها تحت ظلال نخلة وسط البيت العشيش، تكفف عليها في كل لحظة ولا تغفل عنها ثانية.
ذات ليلة بعد أن انتصف الليل، مدت يدها على ابنتها فلم تجدها، رفعت رأسها تتلفت يمينًا وشمالًا، فزت مدهولة، تفتش عنها، فوجدتها ملاقاة عند ساس البيت "الدفعة" وبجوارها جني متكوم في سكون، ينظر إليها بعين جاحظة تلمع وتبرق، سمت بالرحمن وأخذتها من جواره وسرعان ما تحول إلى قط هرول في مواء.
حين بان نور الصباح وجدت فم بنتها معوج وكذا اليدان
ملتويتان، طفلة مسها الجان، و"فاتحو الكتاب" يقسمون بأغلظ الإيمان، بأن الطفلة خطفت في العالم السفلي، والتي أمامها هيئة جسد، وحتى ترجع زينب الأصلية، لا بد من وضعها في أحد كفة الميزان، وزنوها، ثلاثًا، الكفة الأخرى مرة وزنة حديد، ثم وزنة ملح والأخيرة وزنة ماء.
ارتجت أن يتغير الحال، لم يحدث شيء، أشاروا عليها بفعل مذهل: "نامي يا ليلى مع الجاهلة ثلاث ليالٍ على السمادة ويرجعولش بنتك"! إنه لأمر صعب، كيف تنام مع بنت رضيعة في هكذا مكان، رفضت جدتي هذا المقترح أن تنام في العراء وسط القاذورات والروائح النتنة، كل هذه المحاولات ليتم إرجاع الطفلة المخطوفة روحًا، ولقنت جدتي نصًا شعبيًا لتبتعد عنها "جهامة" أشباح الظلام الذين يقضوا مضاجع النيام.
وتردد أناء الليل: "بسم الله سمينا وبالرحمن بدينا، دخلنا بيت مولانا كريم ما ينسانا، دخلنا الجنة فيها واحد يقرأ، يقرأ آية الكرسي، لا حوط بها على نفسي، عن الجني وعن الإنسي، كفوا يا دواب الليل عن سليمان بن داوود".
مرت سبعة شهور والطفلة في ذبول، وفي شهر صفر الحزين ودعت الدنيا وفاضت روحها وصعدت للسماء، ملاك دون حساب ولا كتاب، مستقرها الجنة.
جدتي تندب حظها، لطفلة ولدتها يوم 20 شعبان، ورحلت عنها يوم وفاة النبي (ص)، انهالت عليها مشاعر عطف ومواساة من لدن الأهل والجيران.
ظلت أمي العودة بعد فقدها التوأمين تتوجس خيفة، فكلما حملت ترفع أكفها للسماء بأن الله يحفظ جنينها وتنذر للرحمن نذورات عديدة، أكرمها الله بابنتين خالتي آمنة ووالدتي مريم ثم زينب الراحلة، بعدها رزقت بولد اسمته عليًا، أصبح فيما بعد قصيدة حزن عصية على الفهم والإدراك، ثم خالتي زليخة، وولد آخر اسمته حسين يعتبر أنشودة فرح تحدى كل العقبات والصعاب، عصاميًا بنى نفسه بنفسه، وآخر العنقود زهرة "نديدة عمري" خالتي الصغرى وهي الأخت غير الشقيقة.
حكاية جدتي مرآة لأمهات الأمس المعذبات بأوجاع الحمل والولادة، وفي لمح البصر تنطفىء الأحلام، مجاميع أطفال رحلوا في المهد، مثل ورود لم تتفتح بعد، قبروا أمام بيوت الله، ظلت أطيافهم معلقة بأهداب الأمهات، صدى صرخات أقضت المضاجع في سكون الليل.
يا نائحات الحي، حمامات النخيل تشاطركن الأحزان، أطفال فتكت بهم الأمرض وألبسوا عجزًا بالجان، حين أتت اللقحات والتطعيمات نمت الورود وتبسمت لضوء الشمس.
أنفاس أرواح عبقة بالمسرات والأوجاع تجوب فضاءات فريق الأطرش، حكايات حدثت لأهلي والناس يختلط فيها الحزن بالفرح، متلونة بين الواقع والخيال.

صندوق ورثه جدي من أمه، لا يزال موجودًا تحتفظ به خالتي آمنة، ويقدر عمره بـ180 عامًا


لوحة لكاتب السطور رسمها عام 1986 تمثل مسجد شيخ محمد بسنابس ، ومن امامه مقبرة للأطفال



