رسائل لن تصل!

استوقفتني هذه العِبارة كثيرًا عندما كنت أتصفح "تويتر"، جعلتني أتنفس بعمق؛ لعلها تُخرج ما بداخلي من حزنٍ وأسى لفقد ابنة خالي زهراء آل عباس. أخذتني العبارات بمضمونها بعيدًا.
كلنا واقفون على عتبة الانتظار، فبعضٌ ينتظر حدوث شيءٍ جميل ليُغيّر مجرى حياته، وبعضٌ ينتظر الطرف الآخر ليبدأ حديثه معه، وبعضٌ ينتظر لقاء شخص يحبه، والبعض الآخر ينتظر رسائل لن تصل!
نعم، فبعد رحيلها بساعاتٍ قليلة وبعد وداعها ودفنها وقفت على رسالتي الأخيرة التي بعثتها إليها من خلال الجوال يوم الأربعاء 9 شوال قبل رحيلها بأسبوع، كانت تحمل الكثير من القلق عليها، يداخلني إحساس في قلبي وتملكني الشعور بشيءٍ غير طيّب، بسبب عدم الرد! وتيقنت بِأنها لن ترد!
بعد أسبوع من الانتظار وفي يوم الأربعاء 16 شوال، تفاجئني الأقدار بسرعة البرق لتصدمني وتلقي بي حيث الفراق والرحيل! لم أكن على علم بما فيها من ألم وتوجع شديد وأنها سترحل عنا قريبًا، كنتُ في انتظار ردها على رسالتي الأخيرة.
ازداد الإحساس الذي بداخلي مما جعلني قلقةً جدًا عليها! هكذا نحن نبني على الحدس الصادق الذي بداخلنا وكأننا نهيئ لأنفسنا بأنه سيكون هناك حدث مفاجئ -اللهم اجعله خيرًا-.
كم كنتُ متشوقةً لرؤيتها، لسماع صوتها، للاطمئنان عليها. كانت تجمعنا علاقة جميلة ليست كأي علاقة، أيامٌ كنا نتشارك فيها التواصل لمتابعة الأولاد والاطمئنان على دراستهم. وكذلك كان تواصلي معها عبر الواتساب أو المكالمات الهاتفية للاطمئنان على زوجة خالي أم جاسم -رحمها الله- كنا نتحدث ونناقش بعض الأمور ونستذكر أيامنا الجميلة!
وها قد خُطَّ القدر بقلم القدرة الإلهية ولا مفر. إنّ الفراق قد اجترى واجترح، وأوجد الوجد والهيام، وأحوجنا إلى العبث بالأقلام؛ لتبوح بما بداخلنا من وجد وألم.
يا لها من لوعة أسعرت وَقْد الضلوع، وصبابة صبت النفس إليها، حتى أشعلت نار الاشتياق إلى تلك الأيام الجميلة التي يطول الشرح في وصف محاسنها وإن كانت قصيرة!
استرجاع الذكريات هو الشيء الذي يبقى لدينا بعد الرحيل حتى وإن امتزجت بين ابتسامة ودمعة، حزن وفرح، سنوات قضيناها مع الأحبة نسترجعها في دقائق الوداع. تُحيطنا وجوههم، ابتساماتهم، وجميل كلماتهم ودعواتهم وأشياء أخرى.
أفديكِ يا زهراء غائبة ونازحةً سكنتِ القلب حين غبتِ عن العين! أيّ القبلات أهديها إليكِ؟! قبلات الاشتياق والحنين أم قبلات الفقد المؤلم والرحيل؟!
هناك حيث وقفنا لساعاتٍ في ذلك المكان الموحش الذي اجتمعنا فيه حيث تعالت فيه أصوات الباكين عليكِ إذ نظرنا إليكِ ملفوفة بخرقةٍ بيضاء، حينها بات القلب مضطربًا منزعجًا لهول الحدث! أهذه زهراء أم علي؟! آه للحظة الوداع!
في المواقف الصعبة على الإنسان تعجز الكلمات ولا يمكن استحضارها بسهولة وخاصة عندما تتحدث عن فقدان أعز وأغلى الناس رغم اتساع معانيها وما تحمل من ألم.
ذاك الوداع الحار من الأحبة والأصدقاء والجيران، دموعٌ تتدفق فيه كالسيل وتنبعث الآهات والحسرات عليكِ يا أم علي، إنه ليومٌ حزين كئيب على كل الأحبة الذين جمعتهم بكِ علاقة الأخوة والصداقة.
كنتِ نِعمَ الأم والأخت والصديقة والحبيبة، كنتِ كالزهرة التي تنثر عِطرها على القلوب.
آه يا ابنة خالي لوحشة الدنيا بعدكِ والألم الذي ألمّ بنا لرحيلكِ!
إنّ في قلبي عِتاب لا أريده أن يبقى بداخلي؛ لماذا نخفي حزننا وآلامنا ووجعنا خلف عِبارة: أنا بخير؟! هل هي عزة النفس التي لا تُريد أحدًا أن يكون بجانبك وإلى جوارك وقت حزنك وآلامك؟! سحقًا لواقع لا يوجد به احتواءٌ صادق من القلب.
لكنني أقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، إنا لله وإنا إليه راجعون، وإننا لفراقكِ يا زهراء لمحزونون. رحمكِ الله رحمة الأبرار يا غاليةً على القلوب، وألهم الله ذويك وأحبتك الصبر والسلوان.



