سمعتك سبقتك!

خلال نقاشي مع أحد الأصدقاء المقربين منذ بضع سنوات بشأن مشكلة متكررة في سيارتي، قال صديقي "لا تضيع وقتك وأموالك، اذهب مباشرة إلى أبي عبود (اسم مستعار)، الذي يدير ورشة إصلاح سيارات صغيرة ومتواضعة وتقع في أحد الدواعيس الضيقة". بعد الزيارة الأولى لتلك الورشة، اختفت المشكلة تمامًا، وكانت التكلفة أقل بكثير من الورش الأخرى والتي لم تستطع إنهاء المشكلة. اللافت في الموضوع، عدد الزبائن والذي يفوق زبائن بعض الورش الكبيرة والمشهورة في المنطقة. هنالك أشخاص مبدعون في مجالهم المهني والاحترافي ولديهم القدرة للقيام بالأشياء بشكل صحيح ولكن بطريقة مختلفة عن الآخرين الذين يعملون في نفس المجال.
البعض من الناس يصرون على قص شعرهم ليس فقط في نفس الصالون بل بواسطة نفس الحلاق. والبعض منهم يتبع الحلاق حتى عندما ينتقل إلى صالون آخر، والبعض يبقى دون أن يقص شعره لمدة شهرين أو أكثر، لأن الحلاق المفضل لديهم في إجازة. قد يبدو موضوع الإصرار على قص الشعر بواسطة نفس الحلاق أمراً تافهاً للبعض ولا يستحق كل هذه المعاناة ولكنه مهم ويعني الكثير بالنسبة للبعض الآخر. يتطلب اكتساب ولاء العملاء بذل جهد مضاعف، والسعي لتقديم خدمات ذات جودة عالية تتماشى مع رغبة أو تفوق توقعات العملاء. على سبيل المثال: هذا الحلاق فنان، يده خفيفة، ويعرف طريقة قص شعري، وما يحتاج كل مرة أشرح له، وأبقى في قلق خوفاً من الجروح، بالإضافة إلى استخدام أدوات معقّمة ومناشف جديدة لكل عميل.
هنالك العديد من الأشخاص الذين يمكنهم إتقان مثل هذه النوعية من الأعمال، وإظهار مستوى عالٍ من الاحترافية. ولكن يبقى السؤال؛ ما الذي يجعل البعض منهم مختلفين أو مميزين عن البقية؟ ولماذا نستهدف -نتعنى لـ- أشخاصاً معينين للقيام ببعض الأعمال دون غيرهم ممن يعملون في نفس المجال؟ حتى إن امتلكنا نفس المهارات إلا أن الفرق يكمن في طريقة توظيف وتطوير تلك المهارات.
الجهد الإضافي المبذول والذي يعتبره البعض في بعض الأحيان مضيعة للوقت، هو عامل رئيسي للوصول إلى درجة عالية من الرضا عند العملاء. وهذا -بلا شك- يجعل من الشخص متفوقاً ومميزاً عن أقرانه في نفس المجال. نحن كأشخاص نستطيع التمييز بين الأداء الطبيعي والمعتاد، وبين الأداء المتميز من خلال ملاحظتنا بعض التفاصيل وإن بدت بسيطة لكنها تحوز على إعجابنا ورضانا كعملاء. لذلك فإن التقدير الخاص لا يكون للأشخاص أصحاب الإنتاجية الطبيعية والمتوقعة (مسوي شغله) بل يكون للأشخاص المميزين في أدائهم وإنتاجيتهم (مسوي شغله وزيادة).
إتقان العمل باحترافية، يجعل من الشخص الاختيار الأول للقيام بمثل تلك الأعمال. يساهم الأداء الرائع بشكل كبير في بناء علاقة ثقة مع العملاء، ويجعل من الشخص علامة فارقة في مجال عمله. كما أن إتقان العمل، يترك انطباعاً جيداً وأثراً جميلاً لدى العملاء، مما يزيد من فرصة زيادة الأعمال.
في بعض الأحيان، تكون اختياراتنا مبنية على خبرتنا الشخصية السابقة مع نفس الأشخاص، وأحياناً نعتمد على التجارب الناجحة للآخرين ممن نعتبرهم ثقة وعلى دراية في نفس المجال. ليش اخترت هذا المحل؟ جربت محلات كثيرة غيرهم بس فلان خبير في مثل هذه الأمور ويتعامل معاهم باستمرار ويمدح في شغلهم وخدماتهم.
كثيراً ما يواجهنا سؤال: كيف عرفت المحل (كيف طحت علينا) أو ليش جيت عندنا؟ عند زيارتنا الأولى لبعض المحلات أو مقدمي الخدمات. الجواب لا يتعدى كلمة واحدة جميلة تبعث في النفس السرور وهي السُمعة.
لا شك أن السُمعة الحسنة لا تبنى بين عشية وضحاها، بل هي نتاج عمل متواصل ودؤوب وجهد مضاعف وإخلاص واجتهاد وتميز في أداء العمل لفترة طويلة واحترام العملاء وأخذ الملاحظات والاقتراحات بعين الاعتبار والعمل على تطوير مكامن الخلل أو الضعف.
السُمعة الحسنة لا تقتصر فقط على عالم المال والأعمال، بل نحن كأفراد ومجتمعات دائماً نطمح أن تكون سُمعتنا طيبة ويذكرنا الآخرون بكل خير. تعاملنا مع الآخرين وما يبدر منا من تصرفات إن كانت جيدة أو سيئة، فإنها تلعب دوراً رئيساً في تكوين السمعة والطريقة التي يتعاطى بها الآخرون معنا. فلنجعل من سيرتنا ذكرى حسنة وطيبة وجميلة عندما يتداولها الآخرون، فإن عرفت عن نفسك في موقف ما، بادرك الآخرون بعبارة سمعتك سبقتك!
فكرة هذا المقال مقتبسة من أحد مقالاتي الصادرة باللغة الإنجليزية مؤخراً.



