تاريخ الجوائز

خيمة منسوجة من جلد أحمر، تتميز عن بقية الخيام، تُنصب وسط سوق "عكاظ"، حيث يقام على مقربة من "مكة المكرمة"؛ الذي فيه يتبادل الناس البضائع، ويشترون ما يريدون من مؤونة تكفي حتى العام القادم، في وسط الخيمة يجلس "النابغة الذبياني"؛ ليستمع إلى الشعراء الجدد، ثم يحكم أيُّهم أشعر! فيتناقل الناس الخبر، وتحتفل القبائل بولادة شاعر من أبنائها، ولا ينتهي السوق إلا بإقامة مسابقة نثرية، أبطالها من الخطباء المفوَّهين؛ كـ"أكثم بن صيفي"، و"قُس بن ساعدة"، القادرين على شحذ قرائحهم وألسنتهم، وإسماع الناس خطبًا رنانة، تعلَق بذاكرتهم، وتنتقل معهم إلى مضاربهم، لتنتشر وتجوب أنحاء جزيرة العرب.
مع تأسيس الدولة الإسلامية، وانتقال السلطة المركزية إلى الشام وبغداد، انتقلت المسابقات والجوائز معها، فالشعراء والخطباء اتجهوا إلى مجالس الخلفاء والحكام والقادة؛ طلبًا للجوائز، ونيلًا للرضا، لعل الأبواب تنفتح أمامهم، وينالون الشهرة والمال والحظوة لدى صاحب الأمر والنهي، لكن ما حدث أنَّهم تكدَّسوا، ريثما يأتيهم الإذن بالدخول؛ لإلقاء ما اجتهدوا في إعداده وكتابته، وهو أمر ربما استغرق عدة أشهر من الانتظار، وقد استمرت العادة باستمرار الدول وتتابعها، إلى أن آلت السلطة إلى المماليك والأتراك، فتوقفت أو كادت، واختفى دور الخطب نهائيًّا، وبقي الشعر وحده يثير الاهتمام، ثم ما لبث أن أخذ دوره في التضاؤل والخفوت؛ نتيجة عدم فهم الحكام الجدد للعربية وأشعارها.
الجائزة الممنوحة للشاعر ليست وليدة العصر الحديث، فهي مشهورة متواترة، منذ الأزمنة القديمة، كما أن معرفة الخلفاء بالشعر، وقدرتهم على تمييز جيِّده من رديئه، ساعدت في زيادة الاتجاه إليه، واعتباره حرفة ومصدرًا للدخل، إذ بات الافتخار بالقصائد أمرًا مطلوبًا؛ لبيان المكانة، وحفظ المناقب والمآثر، فازداد الطلب عليه، ما أسهم في صناعة شعراء؛ همُّهم الرئيس التنافُس في تصوير الممدوح، وإظهاره متدينًا، ورعًا، تقيًّا، وهو ما تُعبّر عنه قصة "عبد الملك بن مروان"، مع الشاعر "عبد الله بن قيس الرُّقيات"، الذي مدحه بقصيدة وصفَت عظمة الملك، وأبهة الرياسة:
"يأتلقُ التاج فوق مفرقه
على جبينٍ كأنه الذهبُ" فرفض مديحه، وردَّ عليه بأنه مدح عدوّه اللدود "مصعب بن الزبير" خيرًا من ذلك؛ إذ وصفه بالإيمان:
"إنما مصعبٌ شِهاب من الله تجلَّت عن نوره الظلماءُ"
لم تمنح الجوائز للشعراء فقط، وإن كانوا أكثر الحاصلين عليها، إذ مع مرور السنوات، وتقدم الحياة الثقافية؛ اتَّجه الخلفاء إلى الاحتفاء بالعلماء والأدباء، فخصصوا لهم مبالغ تكفيهم مؤونة العمل، والبحث عن الرزق؛ كي يتفرغوا للتأليف والكتابة، ما أنعش الحياة الثقافية، ورفع وتيرة التنافُس بين المثقفين، الذين شكَّلوا حلقات حول الخلفاء والحكام، حيث تم تخصيص يوم في الأسبوع؛ لتداول شؤون العلم والمعرفة، كما أن القصر لم يكن يخلو من عالم مقيم، ينادمه الحاكم ويشاوره، وربما يطلب منه تدوين المسائل التي دار الحديث حولها، ومن ثمَّ جمعها في كتاب، وحينما ينتهي؛ يقوم بإهدائه إلى صاحب الفضل والمِنَّة الذي أشار عليه بتأليفه؛ لينال مكافأة على جهده المبذول، وهو أمر فتح الباب على نوع آخر من الجوائز، فالكتاب والمؤلفون، أصبحوا يتجهون إلى الحاكم، ويسجلون اسمه كراعٍ للكاتب والكتاب، وبهذا انتقلت المنافسة الشعرية إلى مختلف مجالات العلوم والمعارف؛ كالتاريخ، والأدب، والفلسفة، وغيرها، ما تسبب في تنشيط الحياة الثقافية، وزيادة التَّنافس بين المثقفين.
استمرَّ التنافسُ بين المثقفين إلى زمن الدولة العثمانية، التي أخذ اهتمامها بدعم العلماء والأدباء يقلُّ؛ بسبب كثرة مسؤولياتها، واتساع مساحتها، وتنوع الشعوب والأمم المنضوية تحت رايتها، إضافة إلى العبء المالي الكبير، المتمثل في توفير احتياجات الناس وضروريات العيش، فما كان من الحياة الثقافية؛ إلا أن خفتت، فلم يعد للمعرفة والعلم ذلك البريق الموجود في الأزمنة السابقة، لذا ابتعد الناس عن الاتجاه إليها، والاهتمام بها، مكتفين بما لديهم من حِرف وأعمال، لا تحتاج قدرًا إضافيًّا من التوسع، وهو ما أحدث صدمة بالنسبة لهم، حينما تواصلوا مع الأمم المختلفة، مثلما حصل أثناء احتلال "نابليون" لمصر عام 1798م، حين جلب معه عددًا من العلماء؛ الذين أدهشوا الناس بتجاربهم، لدرجة أنَّ النخب المصرية المثقفة؛ ساد بينهم اعتقاد بممارسة هؤلاء للسحر والشعوذة.
بسقوط الدولة العثمانية، وانتهاء حقبتها التاريخية، أعادت الدول المتحرِّرة الاهتمام بالعلم والأدب، فشهدت نهضة فكرية ثقافية؛ أنتجت أدباء كبار كـ"طه حسين"، ومثقفين على مستوى عال كـ"مالك بن نبي"، وشعراء مرموقين كـ"محمد مهدي الجواهري"، وروائيين عالميين كـ"نجيب محفوظ"، هذه الأسماء وغيرها عملت على تجديد دماء الحياة الثقافية، ونفخ الروح في عروقها المتيبِّسة، ما مهَّد لعودة الجوائز عقب اختفائها، فانتشرت وتوزعت على رُبوع الوطن العربي، وشملت العديد من المجالات الأدبية، والعلمية، والفكرية، والفنية، بل وأصبح هناك تنافس على إقامتها، ورعايتها، وتخصيص مكافآت مالية مجزية للفائزين بمسابقاتها.



