غذاؤنا في عصر السرعة «2».. بين بساطة الماضي وحضارة الحاضر

كل ما نشربه أو نأكله يمكن أن يكون سلاحًا ذا حدين لنا، فربما يعود علينا بالنفع العام أو الكثير من الأضرار التي لم نكن نتوقعها على الإطلاق. الغريب في الأمر أن العودة إلى الماضي تكون أمرًا ضروريًا أحيانًا كي نحل مشكلاتنا الصحية في هذا العصر، فقد كشفت دراسة حديثة عن أن الأطعمة التي كان أجدادنا يأكلونها بإمكانها أن تحسن -وبشكل عجيب- نوعية الحياة وإطالة عمر الإنسان -بإذن الله- ربما يكون هذا الكلام ضربًا من ضروب الخيال والمبالغات.
تعي الذاكرة الكثير مما كان يطبع مجتمعنا القطيفي منذ ما يزيد على خمسين عامًا، عندما كنا صغارًا آنذاك، كان مجتمع محبة وتعاون ورحمة على الرغم من الشح والإمكانات البسيطة، فبساطة العيش عكست الحياة الاجتماعية الغنية بالقيم والأصول والاعتزاز، أجدادنا الذين أقاموا الصروح وشيدوا الأمجاد كانت لديهم فلسفة التعامل مع الحياة والخوض فيها ومواجهة صعابها، والنظر إليها بنظرة الرحب والجمال معًا، والاستمتاع بما فيها من الخيرات التي أنعم الله تعالى بها عليهم، إذ كانوا مميزين بعيشهم وقاماتهم وسلوكهم وعاداتهم ولقاءاتهم الاجتماعية وفي مأكلهم، كانوا يعطون المائدة أهمية بالغة، وهم يأكلون الطيبات كانوا على درجة عالية من الإحساس بالحياة والشغف بها، مما يجعل الجلوس معهم على سفرة الطعام أمرًا ممتعًا، كانوا يأكلون ما تقع عليه أيديهم من رزق الله، دون أن يكونوا قد أشبعوا معدتهم بما لذّ وطاب، تعودوا تناول الرغيف الناشف أو كسرة الخبز اليابسة ويجدونها ألذ من الشهد، كانوا يستطعمون الطعام كونه متقن الطبخ وجيد الهضم ومعدًا بشكل خاص وبعناية كافية وعلى نار هادئة، هم يرون أشياء ويعيشونها فعلًا ولكننا لا نراها، وبذلك شكلت حالتهم قاعدة لعبقريتهم، كان فصلًا مهمًا من فصول التحضر الإنساني، شيئًا فشيئًا تغيرت الدنيا وفقدنا ملامح حياة الأجداد ذات الرتم البطيء الهادىء، وقفزنا قفزة هائلة في شتى ميادين الحياة، أصبحت السرعة إدمانًا وطريقة حياة بحد ذاتها، حرمتنا من الأشياء الجميلة التي تعطي معنى للحياة، ومن ذلك ما حدث للأسرة من تحول في النمط الغذائي من الهدوء الرتيب إلى الإيقاع الراكض تماشيًا مع متطلبات الحياة.. إن التحولات التي طرأت على حياتنا اليومية، والتحدي الذي رافق هذه التحولات جعلتنا نختار بين المعاناة أو المتعة.. المتعة التي تحتل مكانًا في ذاكرتنا ووجداننا وسنظل نتحسّر عليها، ففي أيام زمان كان الأكل الذي عرفه أجدادنا لذيذًا وصحّيًا، وكان الإنتاج طبيعيًا وطازجًا، وكان الناس على درجة من البساطة والطيبة والهدوء والرخاء المعيشي أعلى بكثير مما عليه أناس هذه الأيام، حتى الحياة نفسها كانت أقل تعقيدًا وأكثر سلاسة من حياتنا الحاضرة التي لا متعة فيها ولا قيمة. كان اجتماع العائلة مرة أو مرتين كل يوم على سفرة طعام بسيطة وعلى الأرض، وفي صحون مشتركة، واللقمة باليد، كان مفصلًا أساسيًا من مفاصل الحياة في ماضينا الجميل، واستراحة رغيدة في رحلة اليوم الطويل، ويبدو هذا التحلق التلقائي الحميم على صحفة الأكل والوقت الذي تقضيه العائلة أمام مائدة الطعام كل يوم ممارسة غذائية خالصة، إلا أنه ومن حيث لا نعلم، أثبت دورًا اجتماعيًا وتربويًا ونفسيًا جوهريًا في حياة الأسرة، نتلمسه اليوم إذ يتقلص حضوره في حياتنا، وتأثيره تبعًا لذلك، لقد صار عدم التقيد بمواعيد الوجبات الغذائية سمة من سمات عالمنا المعاصر، والسبب في ذلك اختلاف مواعيد تجمع أفراد الأسرة، قد يحضر أحدهم في الوقت المحدد، وقد يتأخر أحدهم، ويمكنه حتى أن لا يحضر أبدًا طالما أن المنتظر أقل شأنًا منه. وأخطر ما في هذه الممارسات أن يمر اليوم العائلي من دون اجتماع حقيقي، ومن دون لقاء صافٍ من ارتباطات الحياة وصخبها وتفاصيلها والتحولات التي طرأت عليها.
إن مائدة الطعام اليوم تقف بحزن على أطلال العائلة المجتمعة حولها الأمس، بسبب خروج معظم أفراد العائلة إلى ميادين العمل، كان لا بد لنا من محاولة العودة إلى تجمع العائلة حول مائدة الطعام ولو مرة واحدة في اليوم من أجل توطيد أواصر المحبة والترابط بين أفراد الأسرة وتزيدهم تماسكًا وأكثر فاعلية وإثمارًا.
من غرائب ما نعيشه ومفارقاته، أننا نرهق أنفسنا وجيوبنا في شراء الأطعمة الكثيرة، لكن لا نقضي قسطًا كافيًا من وقتنا في تناولها، فلم يعد تركيزنا في الطعام والاستمتاع به، إنما نأكل تلبية لحاجة البطن، وبالتالي نلتهم الوجبة بسرعة نهمًا قهريًا دون أن نشعر بسبب ضيق الوقت، شيئًا فشيئًا، أصبحت هناك ظاهرة طاغية على حياتنا، نتيجة الانفتاح الكبير وما رافقها من تغيير في أنماط عيشنا، فضلًا عما نشهده اليوم من سلوكيات حرمتنا من الاستفادة والاستمتاع بطعامنا.
تغيَّر الزمن، وتبدَّلت أحوال الناس ونمط حياتهم الاجتماعية.. والحياة برمتها، ولكيلا أسرف في تشاؤمي، أقول ربما أكون على خطأ، فإذا كان التحول الذي اقترن بالطعام وأصنافه وطرائق طهيه وإعداده، علامة من علامات التحضر ورقي الحس وآداب تعلم الناس كيف يأكلون، فإن الإحباط الذي يمكن أن يتركه منظر فتات الخبز وفضلات الطعام المبعثرة على الطاولة المجهدة، وما نراه في حاويات القمامة والمزابل والذي صار مألوفًا في مجتمعنا، إذ لا يكفي أن نقول لأصحاب تلك السلوكيات "التوقف عن الهدر والإسراف" لأن الطعام نعمة نشكر الله تعالى ونحمده على دوامها، بل لا بد أن نتطرق إلى ما قد يترتب على ذلك السلوك من الناحية الصحية والنفسية والاجتماعية، كون تلك المنغصات أو السلوكيات الخاطئة قد أفسدت علينا هناء الطعام، وأثرت على نوعية الحياة، يكفي أن نشاهد تلك السلوكيات القاسية من دون الغوص في تفاصيلها، لترتسم لنا علامة استفهام حولها، إن في هذه الهمجية القاسية من غرائب ما يعيشه الناس، لقد كان مذهب الأجداد والآباء في مأكلهم آنداك ألا يزيدوا على ما يقيم الأود من غير أن يتكلفوا من أسباب التذوق والاستمتاع بالأطعمة الشهية التي منحها لهم ما خلقه الله سبحانه. بينما في زماننا الحاضر نرى التهام كميات ضخمة من كل صنف من الأصناف التي لا حصر لها، ومع ذلك نراهم يتأففون بعد الشعور بالشبع، يعني ترسيخ السلوكيات السيئة التي فرضتها العولمة ذات الإيقاع السريع، من باب ادعاء التطور والحداثة.
هناك من رأى أن انتشار أشكال الطعام السريع جاء ليكسر عددًا من مظاهر الترابط والتراحم بين أفراد الأسرة، فهذا الطعام السريع يتم إعداده في دقائق ثم يقوم أفراد الأسرة "بقذفه" في أفواههم وهم متراصون جنبًا إلى جنب أمام التلفاز أو الأجهزة الذكية لا ملتفون حول المائدة، فهم لا يتحدثون سويًا، ولا يأكلون من الأطباق نفسها.
ميل الناس إلى السرعة تماشيًا مع متطلبات الحياة وانعكاسًا لسرعة إيقاعها، خلافًا لاشتراطات الصحة التي تتطلب التأني. فغدت حياتنا أشبه بطعم الوجبات السريعة التي سواء كنا نحبها أو لا نحبها، فإن عليك أن تعتادها.. وتنسى الوجبة التي تعد لك في المنزل "مطعم الأم" وحركة الطعام البطيء وما تحويه من قيمة غذائية وحاجتنا لمذاقها ونكهتها الطبيعية، وأصبحنا اليوم نشعر بالوحدة في عصر السرعة معظم الأطعمة معبأة في المصنع وتعد بواسطة الميكرويف والطناجر البخارية وغيرها من أجهزة تحضير الأطعمة، مما يحول دون استذاقة الطعام الذي نعرفه أيام زمان. وبالتالي افتقدت الأكلات نكهتها الحقيقية، لقد باتت حياتنا سريعة جدًا لا نأبه بتفاصيلها، ولو التفتنا قليلًا لهذه التفاصيل عندئذ نستطيع أن نلمس ابتعادنا عن ماضينا الجميل، الذي يتعاطى مع كل ما يصيغ نكهة الحياة، ولكن هذه حياتنا بأيدينا ابتكرناها ومن قلوبنا ندفع ضريبتها!! و.. للحديث بقية.



