شهر رمضان.. إعادة ضبط الإنسان

قال الله العلي العظيم في محكم كتابه الكريم ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وقال نبينا الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم في خطبتة لاستقبال شهر رمضان (أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّهُ قَد أَقبَلَ إِلَيكُم شَهرُ اللهِ بِالبَرَكَةِ وَالرَّحمَةِ وَالمَغفِرَةِ. شَهرٌ هُوَ عِندَ اللهِ أَفضَلُ الشُّهُورِ، وَأَيَّامُهُ أَفضَلُ الأَيَّامِ، وَلَيَالِيهِ أَفضَلُ اللَّيَالِي، وَسَاعَاتُهُ أَفضَلُ السَّاعَاتِ. هُوَ شَهرٌ دُعِيتُم فِيهِ إِلَى ضِيَافَةِ اللهِ، وَجُعِلتُم فِيهِ مِن أَهلِ كَرَامَةِ الله. أَنفَاسُكُم فِيهِ تَسبِيحٌ، وَنَومُكُم فِيهِ عِبَادَةٌ، وَعَمَلُكُم فِيهِ مَقبُولٌ، وَدُعَاؤُكُم فِيهِ مُستَجَابٌ، فَاسأَلُوا اللهَ رَبَّكُم بِنِيَّاتٍ صَادِقَةٍ، وَقُلُوبٍ طَاهِرَةٍ، أَن يُوَفِّقَكُم لِصِيَامِهِ، وَتِلاوَةِ كِتَابِهِ، فَإِنَّ الشَّقِيَّ مَن حُرِمَ غُفرَانَ الله فِي هَذَا الشَّهرِ العَظِيمِ. وَاذكُرُوا بِجُوعِكُم وَعَطَشِكُم فِيهِ، جُوعَ يَومِ القِيَامَةِ وَعَطَشَهُ).
يعيش الإنسان طوال أيام السنة حالة من الانفتاح على الدنيا ويتمتع بزينتها وينجذب الى محاسنها. وفئة من الناس يضبطون أنفسهم ويلتزمون بشرع الله ويلتزمون بالحلال ويبتعدون عن الحرام ويقيمون صلاتهم ويحيون مساجدهم ويتلون القرآن كل يوم ويرتلونه ترتيلًا طوال العام. ويؤدون واجباتهم ويحفظون الأمانات ويحترمون الحقوق ويتحلِّون بالأخلاق الحميدة ويراعون كل صغيرة وكبيرة في حياتهم وهؤلاء الذين قال عنهم سبحانه وتعالى (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُم ْعَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُروجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُون َ وَالَّذِينَ همْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالدُونَ) صدق الله العلي العظيم.
وهناك فئة أخرى سيطرت عواطفُها عليها وغلبتها أهواؤُها فلم تلتزم بشرع الله ولم تحترم قوانين دينها. هناك نساء ورجال شباب وفتيات انبهروا بزينة الحياة الدنيا وراحوا يُغذُّون طموحاتهم ويشبعون رغباتهم حتى لو تعارض ذلك مع الشرع والدين (ولا حاجة للتفصيل).
والله سبحانه وتعالى يعلم أن الإنسان ضعيف أمام الأهواء ونفسه أمّارة بالسوء لذلك فتح له باب التوبة وأعطاه فرصًا كثيرة ليعرف خطأه ويعود إلى ربه وأعظم هذه الفرص هو شهر رمضان المبارك الذي فيه تحيا القلوب وتطمئن فيه النفوس ويشعرون بالقرب من الله ويلتمسون فيه رحمته.
وترى الناس كافة يحترمون هذا الشهر الفضيل ويبتعدون فيه عن المعاصي ويهجرون أماكن اللهو ويترددون على المساجد ويكثرون من قراءة القرآن وتصير النفوس أقرب إلى التسامح والصدق والوفاء.
وهنا لنا نداء إلى الذين لم يستشعروا هيبة شهر رمضان في نفوسهم ولم يدركوا فضائله. إلى الشباب والفتيات الذين ابتعدوا قليلًا عن التزامهم ومبادئهم۔ إلى الموظفين والموظفات الذين لم يلتزموا بإخلاصهم وأمانتهم۔ إلى المعلمين والمعلمات الذين نسوا بعضًا من أدوارهم۔ إلى الآباء والأمهات الذين غفلوا عن تربية أبنائهم وبناتهم۔ إلى الأبناء والبنات الذين جهلوا حق أمهاتهم وآبائهم۔ إلى كل من غاب ضميرُه وقسى قلبُه وتاهت مشاربُه ها هو شهر رمضان في أولياته فيه الهدى والبينات.
ونعيش فيه زمنًا لا يقاس بغيره وقد دُعينا فيه إلى ضيافة الله فهلا تقربنا إلى الله أكثر فأكثر؟ هلا استشعرنا حلاوة الإيمان؟ هلا أيقظنا ضمائرنا التي تراكمت عليها الأهواء؟ هلا عُدنا إلى الأصالة التي أنشأنا الله عليه وهي الفطرة السليمة التي فطرنا عليها سبحانه وتعالى (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (30).
أيها الأحبة حبِّبوا إلى أنفسكم قراءة الأحاديث التي تخاطب النفس والضمير وتستثير دفائنها. وتقربوا في هذا الشهر الفضيل إلى الله بالخيرات والعبادة أكثر فأكثر وقراءة القرآن بترتيل وتمعن وتدبر (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (121).
لنبادر بإصلاح النفوس وتهذيب الأخلاق ورد الأمانات وصلة الأرحام واحترام الجيران والالتزام بالواجبات والابتعاد عن المحرمات قبل أن ينتهي شهر رمضان المبارك فنكون من الخاسرين ونصبح من الأشقياء لا قدر الله. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الشقي من حُرم غفران الله في هذا الشهر العظيم».
الخلاصة:
قد يفقد الإنسان السيطرة على عقله فيتخبط يمينًا وشمالًا فيصبح مُشوَّشًا لا يعرف الصواب من الخطأ ولا يميِّز بين الشر والخير ولا يتواضع للحق بل يصر ويستكبر استكبارًا (وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا).
هذا العقل يحتاج إلى برمجة من جديد وحذف كل المعتقدات والعادات الشيطانية التي مارسها طوال غفلته وغياب الحقائق عنه وهذا هو شهر رمضان الذي يعيد الإنسان إلى رشده ويفيقه من غفلته (لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) (22).
وفقنا الله وإياكم للصيام والقيام وهدانا جميعًا إلى صراطه المستقيم، إنه سميع مجيب، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.



