أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الغصن الرطب يميل ثم يقوى ويعود

نرجس الجمعان · القطيف اليومالإثنين 22 أبريل 2024، 11:41 ص
الغصن الرطب يميل ثم يقوى ويعود

من عظيم قدرة الخالق سبحانه وتعالى أن خلق الإنسان كائنًا اجتماعيًا لا يعيش بمفرده بل يتكامل ويتفاعل مع المجتمع.

ورغم هذا النظام الإلهي نلحظ في الآونة الأخيرة انتشار حالة العزلة الاجتماعية التي بدأت تغزو الكثير من الأفراد، بحيث يلجأ الفرد للعيش بمفرده وحيدًا وبعيدًا عن الآخرين، بعزلة اجتماعية تامة. ومما لا شك فيه أن العزلة تمثل حالة مرضية تستوجب المعالجة لما لها من عواقب سلبية على الصحة الجسدية والنفسية.

هذا الغياب أو هذا الشرود الذي يفتقد فيه الشخص الشعور بالانتماء الاجتماعي ويجعله مُنعزلًا أو منغلقًا عن الجميع أو مع من يجتمع معهم بصلة رحم؛ أب وأم وإخوان يجعله يتمنى البقاء وحيدًا متجنُّبًا الآخرين، وعدم رغبته في التواصل معهم وتكوين العلاقات، وتفضيل إنجاز مهام حياته اليومية منفردًا دون الاستعانة بمن حوله هو أمر مزعج لاسيما أن هذه ليست طبيعة الشخص ولا صفاته.

وهنا نتساءل ما الذي غير هذا الشخص ولماذا اختلفت طبيعته؟ هل هو في المسار الصحيح للعزلة الإيجابية التي يخلو بها الإنسان بنفسه وتكوين فرصة ليغير من حياته ويصحح من أخطائه؟ أم أنه في مسار العزلة السلبية التي ترغمه على البعد عن الأهل والأقارب والأصدقاء والمناسبات الاجتماعية رغمًا عنه وتجنبًا للمشاكل؟

أسلّط الضوء في هذا المقال بعد البحث العميق على تلك الظاهرة المنتشرة في الآونة الأخيرة التي غالبًا ما تكون ناتجة عن فخاخ الفتنة والحرب الأهلية والصراعات التي أساسها الغيرة المقيتة.

حقًا كم هو مؤلم حين يتعرض أحدهم للظلم من أقربائه ومن شاطرهم رحم الأم ورغيف الخبز، أو من كان يمد يد العون إليهم في يومٍ من الأيام، أو من انتشلهم من الظلمات إلى النور، فيتفاجأ بمن يسيء إليه، ومن يتعمد إيذاءه، ومن يظلمه، ويشجع الفتنة والخصومة، ويؤجج الخلافات، ويروج للشائعات؛ حينها يكتشف أن ظلم ذوي القربى أشد مضاضة. فمن يا ترى قد حرّك المياه الراكدة؟

إن التأمل في آيات القرآن الكريم التي تدل على ضرورة صلة الرحم ومدى خطورة قطعها وهي جريمة تشكل جانب دمار كبير للعائلة في الوقت الحالي والمستقبل ولكن من المسؤول عن كل هذا الدمار؟ وما نتيجة هذه الحروب الشيطانية في كل أسرة؟ ومن يشعل تلك الفتن التي تستمر لأعوام عديدة؟ وما هو هدفها: جني المال؟ قطيعة الرحم؟ أم شفاء الغليل والغيرة والحسد؟

هناك مقولة تنص على أنه لا يوجد أحد مخطئ كل الناس يتصرفون بأفضل ما لديهم وفق مستوى الوعي الخاص بهم.

أي أنه قد تحصل مشاكل وخلافات واضطرابات في العلاقة أثناء التعامل بين جميع البشر من مختلف مسمياتهم سواء أكانوا إخوانًا أو أزواجًا أو أصدقاء ولكن حين يصلون إلى مستوى عالٍ جدًا من الوعي فإنه يمكنهم احتواء هذه المشاكل فيحسنون حمل الأعذار وحتى الكلمات.

ولكني هنا أتساءل حقًا لماذا يعيش الأخ مع أخته عشرين عامًا لتأتي زوجة الأخ بحرق تلك السنوات؟ والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه المجيد: { یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِن جَاۤءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإࣲ فَتَبَیَّنُوۤا۟ أَن تُصِیبُوا۟ قَوۡمَۢا بِجَهَـٰلَةࣲ فَتُصۡبِحُوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَـٰدِمِینَ} [الحُجُرَاتِ: 6].

هل ينسى الأخ مع من بدأ حياته؟ هل ينسى أحضان أسرته ورعايتها له؟ هل ينسى الروابط المتينة والذكريات الهائلة؟ هل ذهبت أدراج الرياح؟ هل يتم تسقيط وتهميش دور الأم والأخت بمجرد وجود زوجة مريضة بالحقد والكراهية أو ربما لوجود مشاكل نفسية؟

إن أهلك وذوي رحمك يمثلون مصدر قوة لك، بل إنهم يعتبرون سندًا لك في الشدائد، وحضنًا تلجأ إليه عند الفزع بعد الله وهنالك كلمة تُنسب لأَمِير اَلْمُؤْمِنِين عَلَيْهِ السَّلاَمُ في حق الأقارب: وَأَكْرِمْ عَشِيرَتَكَ فَإِنَّهُمْ جَنَاحُكَ اَلَّذِي بِهِ تَطِيرُ وَأَصْلُكَ اَلَّذِي إِلَيْهِ تَصِيرُ وَيَدُكَ اَلَّتِي بِهَا تَصُولُ. أي أن جناح الرجل عشيرته وأين تلك العشيرة بعد هذا الخصام؟ المنازل تُسند بروح العائلة دائمًا وأبدًا وحقًا أفضل ما يوُرث الآباء للأبناء محبة الأخوة، فلنحافظ على سكينةِ أنفسنا وعلى سلامِ قلوبنا وأن نعيش ببساطة دون تعقيد ودون مبالغة فذلك أفضل ما نقدمة لأنفسنا ولِمن حولنا.

وهنا أقول لكل من تخطئ بحق زوجها وأهله لا تستعجلي ستزوركِ أفعالك يومًا، فلا تتفاجئين؛ وَإِلَى ٱللَّهِ عَٰقِبَةُ الْأُمُورِ. وهناك ربّ ينصر المظلوم على كل من يحدث نفسه بظلمه، وسيأتي ذلك الفجر الذي تشرق بعده شمس الانتصار.

ولكل أخت لاتزال تشحن وتكذب وتضرم النيران غيرة وحقدًا وحسدًا مهما أنفقتِ من وقت طويل لتفرقة القلوب فالله في محكم كتابه يقول (وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [سورة الأنفال]، وأحب أن أؤكد أنه ليس كل الأقارب كالعقارب، فهناك من الأقارب من يعيش همك قبل فرحك، ولا يبخل عليك بأي شيء إطلاقًا، فقد يضحي بأغلى ما يملك لأجل مساعدتك إلا أن حديثي في هذه المقالة يتناول تلك الآلام التي يتعرض لها الكثير من الناس في مجتمعنا نتيجة التصرفات الذميمة التي تصدر من بعض الأقارب وتسهم في هدم العلاقات وقتل المحبة والمودة حقًا التي يكون الدافع الرئيسي منها الغيرة والحقد وإن كانوا إخوانًا متجاهلين ظروف الآخرين ومشاعرهم، فهل سيأتي الغصن الرطب الذي يميل ثم يقوى ويعود أم يميل فلا يعود؟

وختامًا شكرًا لذلك المربي الفاضل والرجل الصالح والنموذج الجميل في المجتمع والابن البار بأمه وبمن حوله من إخوان وأقارب وأصدقاء، وألف رحمة ونور على ذلك المعلّم الذي حين أذكره تخنقني العبرة، فقد مضى عنا في عزّ شبابه، إذ كان نموذجًا رائدًا في التربية والأخلاق الفاضلة، وأحبّ الجميع دون استثناء ودون شروط وبادله الجميع المودة والمحبة، وقد وجدته يتسابق لزيارة الجميع وتوقير الكبير وجبر خاطر الأخ والأخت والسؤال عن أحوالهم، ويمضى الأيام والليالي في التفكير بمن حوله من ذوي القربى، وقلبه يتألم لحالات الضعف والألم يشمل الجميع بدعائه.

مضى عنا في عز شبابه فترك في القلب جرحًا سيبقى مدى الأيام والأزمان حاضرًا لا يغيب.

فرحمة الله عليك يا أبا جواد يا فارسي النبيل وسيدي الكريم وزوجي الصالح، وجعل مثواك الجنة، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.

وإلى روحه الطاهرة نهدي سورة الفاتحة.