أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

لله رجال

السيد موسى الخضراوي · القطيف اليومالجمعة 3 مايو 2024، 2:05 م
لله رجال

تلقيتُ نبأ وفاة الوالد الفاضل المؤمن الحاج جعفر أحمد الحيراني -أبي محمد- فجأة باتصال من أحد الأصدقاء؛ ولأني فقدت أبي فأنا أعلم مدى الحسرة واللوعة والألم الذي يحدثه الفراق. من الطبيعي أن كل كلمات المواساة لا تسكّن ألم آهة فراق واحدة؛ غير أن لنا أسوةً في محمد وآل محمد في مصائبهم وفي تعاملهم مع المصائب.

مرض الوالد أبو محمد قبل عدة أشهر من رحيله، وكان أبناؤه البررة -جميعًا- الطبيب والممرض والدواء، وما كان ذلك ليكون لولا بره بوالديه (حيين وميّتين) من جهة، وحسن تربيته من جهة أخرى، وطهارته ونزاهة مأكله ومشربه من جهة ثالثة.

للوالد العزيز أبناء وبنات تغذوا بأخلاق آل محمد وتربوا بعلومهم ومعارفهم فكانوا خير ثمر لخير شجر؛ لأنه كان عينًا باصرة لأولاده تراقب وتوجه وتربي.

لم يحظَ الوالد بالتعليم؛ لكنه حرص على تزويد أبنائه -جميعًا- بالعلم والمعرفة؛ ليتخرجوا بشهادات جامعية، ويصبحوا معلمين للأجيال، ويكونوا طلائع في مجتمعهم معتمدين على ذواتهم ومستغنين عن الحاجة إلى الناس.

كنت في منزل الوالد أبي محمد أخًا لولده محمد وإخوانه من قبل أكثر من خمسٍ وثلاثين سنة، رأيتُ فيها كم أن هذا الوالد الفاضل، وزوجته الصالحة أم محمد نموذجًا فريدًا للمؤمنين العصاميين المكافحين الباذلين كل طاقاتهم في سبيل تأمين لقمة العيش الطاهرة لأبنائهم في زمن عصفت فيه العواصف وتوالت فيه الرعود. كان يعمل ليلًا حارسًا لبلدته وأهلها ويتبعه عصرًا بالعمل في بوفيه صغير في بيته، واستمر عمرًا مديدًا على هذه الحال، فكان قمةَ التفاني والإيثار لأغصانه المورقة؛ بحيث كان يحترق كالشمعة؛ ليضيء لهم الطريق.

عصاميته تلك جعلته نموذجًا يحتذي به أبناؤه؛ فبدت عليهم أمارات تحمل المسؤولية صغارًا يافعين؛ حيث سعى ابنه الأستاذ موسى لتأمين ما يمكن تأمينه من الرزق الحلال منذ طفولته المتوسطة وكان آنذاك عودًا مورقًا، في حين سعى الأستاذ محمد في ذات العمر لمتابعة الجانب التعليمي والتربوي للأسرة ليكون مُكمِّلًا لدور والده فضلًا عن مشاركته له في البوفيه الصغير، وبذلك اكتملت اللوحة الفنية بتضافر الجهود فكانت معلمًا صداحًا في قديحنا الحبيبة.

هذا الأب الفاضل نشأ يتيم الأب، وذاق مرارة اليتم، وفقدان الحمى منذ نعومة أظفاره؛ فأكسبه ذلك المزيد من القوة؛ لتحمُّل متاعب الحياة وعواصفها، كما أكسبه حنانًا خاصًا على كل مَن حوله، فكان نموذجًا فريدًا للأب الحاني على جيل الشباب في القديح العزيزة، وبعبارة أدق كان يفيض حنانًا وعاطفة ودفئًا. كان سيدًا في أخلاقه وسيدًا في طهارته وسيدًا في تعامله.

عادةً تكون الوجاهة والعزة للرجال في مجتمعاتهم؛ تقديرًا لمواقفهم النبيلة وخدماتهم الاجتماعية المتعددة؛ أما الوالد الفاضل أبو محمد فكان وجيهًا في قومه بحسن خلقه، وحسن تعامله، وحنوّه المتدفق على الجميع وذاك لا يكون إلا نادرًا.

بلغت عزةُ النفس مداها عند أبي محمد؛ فعاش عزيزًا ومضى سعيدًا ما طرق إلا باب الله -عز وجل- مُستشفعًا بمحمد وآل محمد، ومن يكن عزيزًا في نفسه وكرامته يكن عزيزًا في أهله ومجتمعه.

كان يقدّر المعروف والجميل لأهله، ويطوق به عنقه ولو كان بكلمة طيبة، أو دعوة صادقة، أو أدنى من ذلك، وقد شاهدتُه بعيني كيف يحفظ الحب والاحترام لهؤلاء.

كان متعلقًا بأبنائه وبناته كثيرًا، ولكن بأدبيات خاصة قد يفهمها البعض وقد تغيب عن الكثيرين، أذكر ذات مرة أن ابنه الأكبر الأستاذ محمد تعرّض لألم شديد في رأسه أوصله للمستشفى فكاد يهوي على الأرض خوفًا عليه في حالة لا تصفها الكلمات؛ فما أجمل الأب الحاني على أسرته!!.

عُرف بالوفاء والأمانة، وخاصة عند الأرحام والمقربين؛ بحيث كان مستودعًا لأموالهم وممتلكاتهم لعقود من الزمن، حتى إن أحدهم لم يكن يعلم بمقدار ما يملك، فسبحان من جعله مثلًا أعلى للناس!!.

كان عف اللسان واليد والسلوك، وأمينًا على دينه ودنياه، وطاهرًا في قلبه وعقله، وجميلًا في جوهره ومظهره، وبسيطًا في تعامله، متواضعًا في خلقه، كبيرًا في احترامه، عظيمًا في تقدير الناس، عارفًا بالحدود وملتزمًا بها، مقدرًا للكبير والصغير، ووفيًا للجار والدار والأحباب.

بساطتُه وأخلاقه وروحه الطاهرة جعلت لغته الابتسامة، حتى في أيام مرضه القاسية، لم يتبرّم يومًا أو ينفعل لتأخير أو تقديم أو تقصير في عناية أو طعام قط، ولم يشتكِ طرفةَ عين من حاله بل كان في غاية التسليم ومنتهى الرضا.

عاش الصمت فنًَا وسلوكًا وأدبًا وقدوة -واقعًا وخيالًا- ولعله بسلوكه هذا أسّس مدرسة خاصة به في التربية والتوجيه.

أما الولاء فكانت أغصانه المورقة تتدلى من كل جوارحه وجوانحه للمؤمنين -عامة- مع الحسين طرقهم الخاصة في الوفادة عليه؛ فبعضهم يعيش المصيبة بتجلياتها الواقعية ويتفاعل معها لا إراديًا بالصوت العالي والبكاء، وبعضهم يتفاعل معها بإيمان عميقٍ متجذر وهدوء ممزوج بمعايشة وحزن وألم حقيقي غير متكلّف وخال من الرياء كما هو حال الوالد العزيز أبي محمد.

السلام عليك يوم ولدت، ويوم رحلت ويوم تبعث حيًا.