لحظة الكشف

انتابه الحزن، هذا الحزن الناتج عن انكشاف مدى جهله بحكم ما يمتلكه من الزخم في المعلومات، بكونه قارئًا جيدًا، إلا أنه لكل ذات وقت فلسفته، والتي تكشف مدى الضعف في ذاته.
كانت الأيام بعدد نبضات قلبه، تأتيه اللحظات كقطرات المطر، يستقبلها بأصابعه، يرشفها ملامحه، يتقاسمان لغة القرطاس، ينصهران في الكلم، يسافران عبر غيمات البلاغة، الظل يشبه المرايا، حيث الحياة تشي بالفرح.
لم يكن يستشعر عمق التجربة، أكانت تجربة أم محطة عبور، أليست التجارب بمنزلة محطة تقف عندها، وبعد وقت تفارقها، ولا تعلم هل تمنحك الظروف الوقوف على بساطها مرة أخرى؟!
لكم استغرق في التفكير عن مآلاته، لكم استوقف مرارًا عند شاطئ أحلامه، وكم انتابه الغضب على مواقفه، والتي لم يتعمد الفعل فيها، كردة فعل استجاب لها.
أهدته الحياة التجارب العديدة، ولكنه لم يتقن فك الحبكة فيها، ليعرف وجهته.
كلما استأنف الطريق، أعادته الذكريات إلى حيث كانت عقارب الساعة تعلن عن توقفها، وتشير إليه بأن يمعن في التفكير أكثر.
ما فائدة الإمعان في التفكير من دون البدء في الخطوة الأولى؟!
يلتحف بالصمت ظنًا بأنه السبيل إلى ضبط أيقونة ذاته مجددًا، يمرر الأوجه في مخيلته، لعله يستطيع الكتابة عنها في حبكة درامية من خلالها يمسك بالفكرة كي لا تهرب، أتكون الفكرة هي ما يجول في داخله، أم مجرد طيف يمر، فما يلبث أن يغيب، ويتركه في خيالاته الفوضى؟!
الصورة أمامه، يحدق فيها مليًا، يريد أن يعيد رسمها بالكلمات، فقد سمع ذات وقت بأنه من المفيد أن يتدرب الكاتب في كتابة نص أدبي على صورة يتأملها، وهذا ما يتبعه البعض منهم، فأراد أن يجرب.
كانت الصور تشير إلى طريق يبس، بجانبه أشجار خضراء، وكأنما هذه الأشجار لا تنتمي إلى اليبس، كيف لها أن تكون خضراء ولا ماء يعانق جذورها؟!
تأملها كثيرًا، أحس بأنها تشبه ذاته، هذا اليبس الذي يشعر به في داخله، وهذه الحياة المليئة بالحيوية، والأشياء اليافعة في ألوانها، وما تحتويه من العنفوان، كابتسامة طفلة عيناها تشيان بالطمأنينة.
استجمع مشاعره، ركز تفكيره أكثر في الصورة، وكتب نصًا أدبيًا.
إنها تجربته الأولى..
وبعد أيام رجع إلى الصورة، ووضع النص بجانبها، واستغرق في التأمل، حتى بدأ تدريجيًا يكتشف ذاته، ومواطن ضعفه، واستمد من الصورة حكاية جعلها نصب عينيه، وأخرج من أعماقه نفسًا، كأنين حزين، للتو يكتشف هذا الوجع في داخله..



