المرأة بين زمن أمي وزمن ابنتي!

المقاصد من أحاديث النساءِ والرجال هي استحضار عوامل استقرار البيت فإذا استقر البيت خرج منه مبدعون في كلّ مجال. أما إذا فشل في الاستقرار خرج منه أبناء وبنات يغلب على طباعهم الفشل. المال ضروري لاستمرار واستقرار الأسرة لكن ليس المال وحده ما يحقق السعادة! كم من أسرة خرّبها المال وأحال حياة أفرادها إلى جحيم؟ لا ينفع أن يكون همّ الأب جمع ثروة لنفسه وحرمان أبنائه من الرعاية أو أن تحرم أمٌّ أبناءها من العطف لأيّ خلاف!
عاشت أمي وأمهاتٌ أخريات زمنًا صعبًا، لبسن فيه الخرق البالية، أكلنَ ما لا يأكله الناس اليوم وسكنّ في مساكن ضيقة، لكنهن ما نزعن عن أجسادهنّ لباس العفة والطهارة والقناعة. ليتهن عشن اليوم! جاء الخير فتَحسنت أحوالُ المعاش وغابَت مشاهد عانى منها الرجال والنساء. استحضار بعض المشاهد القديمة ليس تمجيدًا لها أو حبًّا فيها إنما تذكر أحوال من عاشوا واستشراف المستقبل.
هذه قائمة قصيرة تحكي حياة أغلب نساء زمن أمي:
عائلة كبيرة، زواج مبكر، تعليم متواضع وأمية للأغلبية الساحقة، بيت صغير، غرفة واحدة، عائلة مشتركة، قلة الشكوى من ضنك الحياة، الشكوى لا تفيد أصلًا! خدمة متعبة ومشاركة الأعباء المنزلية، زينة وملابس قليلة، مشاركة اجتماعية محدودة، قناعة بما هو موجود، غير مقتدرة ماديًّا، تصبر على الزوج دون طلاق.
تعالو نأخذ القائمة نفسها في زمن ابنتي:
عائلة متوسطة أقرب إلى صغيرة، زواج في عمر العشرينات أو بعدها، أستاذة، طبيبة، ممرضة أو مهندسة وغير ذلك، بيت منفرد أو شقة خاصة، الحياة أقلّ صعوبة، من المحتمل وجود عاملة منزلية، دخل مادي جيد، طلاق سريع.
لا يجلب العيشُ في القصور السعادة للأسرة والإبداع للأبناء في غياب الاستقرار النفسيّ والعاطفيّ. رجال ونساء يولدون في أكواخ، ينجحون ويبدعون لأنهم يجدون الأمن والأمان بين أمّ محبة وأبٍ مكافح يتقاسمَان صعوبة الحياة، كل له دوره في الحياة. سر الحياة الزوجية اختصرها الله سبحانه وتعالى في كلمات {وجعل بينكم مودة ورحمة}، فلا يصلح حال الحياة العائلية ولا تستقيم إلا بهاتين الكلمتين (المودة والرحمة).
ربما عليّ التوقف هنا لأشيد بالثناء على كلّ أنثى، في ذلك الزمان أو في هذا الزمان، ربّت وتعبت وعملت وصبرت. كما أشيد بكلّ رجل يحسن إلى عياله فكما قال رسول الله صلى الله عليه وآله: "جلوس المرء عند عياله أحب إلى الله تعالى من اعتكاف في مسجدي هذا". عندما هندس الله سبحانه بناء الأسرة لم يختصّ الرجل وحده بالبنيان، إنما جعله شراكة منظمة بنسبة 100% لكي لا تُخرب الليالي والأيام البنيان!



