داءُ العصر

من خلال قراءة شخصية هي خلاصة لخمسة عقود من التأمل والتدقيق والموضوعية، ومن خلال علاقات عميقة وصادقة بشرائح متعددة من أبناء مجتمعي الأفاضل وإلمامًا بوجهات نظرهم، ومن خلال اطلاعي على بعض قضايا الاختلاف بين الأرحام أو الأصدقاء أو الزملاء؛ أرى أن أخطر داء على البشرية ناتجٌ عن الغيرة والمقارنة ويتسبب في الحقد والقطيعة وربما التصادم والمعاداة، وينتشر انتشار النار في الهشيم هذه الأيام وخاصة عند الأنداد والنظائر ألا وهو الحسد.
من الناحية العلمية الطبية؛ إن بعض الأمراض النفسية المعقدة أصعب علاجًا من الأمراض العضوية المعقّدة؛ فكيف إذا كانت أمراضًا نفسية فائقة التعقيد؟! بلا شك أن بعض الأمراض السرطانية تعالَج، وكذلك الحال في بعض الأمراض المناعية وأمراض القلب والدورة الدموية الخطرة؛ غير أن الحسد بكل أنواعه لا علاج له.
ولو دقّقنا النظر أكثر لوجدنا أن فرقة الإخوان والأرحام والأصدقاء والزملاء جلها من داء الحسد المقيت هذا، مهما اختلفت أسبابها الظاهريّة.
قد يكون باعث الحسد من الإنسان نفسه بحيث يتمنى زوال نعمة الآخرين ولا يقوى على رؤيتها عندهم، وقد يكون من زرع بذور الحسد والحقد أولاده وزوجته وما أكثر هؤلاء، وقد يكون الباعث هو أحد الأصدقاء أو الأرحام أو الزملاء؛ لكنه مع ذلك كان -وفي كل الحالات- أرضية خصبة لهذا الداء الخبيث، ووجد الآخرون ضالتهم فيه.
إن معاناة بعض المحسودين تفوق حد الوصف؛ فبعضهم كلفهم ذلك خسارة كل ما يملكون من مال وزوجة صالحة وأبناء بررة، وبعضهم خسر حياته.
الحاسدون يعرفون أنفسهم ويعرفهم الناس كذلك، حيث تراهم يحيكون المؤامرات للوقيعة والتسقيط والتشويه، ويستمرون في ذلك حتى الرمق الأخير.
الحاسد له علامات متعددة منها؛ تغيّر لونه عندما يراك، الصدود بوجهه عنك عند المرور، افتعال المشاكل لأتفه الأسباب، الانزعاج من حديثك ومقاطعته للتقليل من شأنك، رفع الصوت المبالغ لتضخيم الأمور، المنافسة المقيتة معك، تقليدك سلبيًا في خطاك ورؤاك وتربيتك وأعمالك، الافتراء والكذب والتسقيط والتشوية، إحاكة المؤامرات والفتن، كثرة التذمر، قطع الأرزاق والعلاقات الحميدة، تغير نبضات القلب عند الثناء عليك، سهام عينيه القاتلة، تكبير الصغائر وتصغير العظام، التقليل من القيمة وتحقير الشأن، التربص والمراقبة، ورميك بما ليس فيك، ونحو ذلك.
الغريب في الأمر أن الضحايا -غالبًا- هم الجلادون في نظر أغلب الناس، وأن الحاسدين الحاقدين هم الأبرياء. الجهلُ بنوعيه الذي هو ضد العلم والآخر الذي هو ضد الحلم يلعبان دورًا رئيسًا في سوء التشخيص هذا وفي ضعف القراءة في أغلب النفوس البشرية، فضلًا عن ميول البعض للأخبار السلبية ونشرها في المجتمعات لإثبات أو تخطئة أو بيان موقف؛ وما أكثر من يعيش على فتات الناس وأشلائهم! والأغرب هو أن هذا الداء ينتشر بين المتدينين والخلوقين ظاهرًا أكثر من الذين لا تبدو عليهم علامات التدين بارزة؛ وهنا تكمن المشكلة حين يكون المظهر في نهر الكوثر والجوهر في مستقرٍّ سحيق.
هذا الداء لا تخلو منه أسرة مهما علت؛ ولا أدل على ذلك من قابيل الذي قتل أخاه هابيل حسدًا، إن أباه النبي آدم عليه السلام وأمه حواء عليها السلام وكلاهما من خير عباد الله الصالحين، وما إخوة النبي يوسف بن يعقوب عليهما السلام إلا مصداق آخر؛ وعلى هذا فقس الكثير.
إن هذا الداء ينتشر بين العلماء والمثقفين ورجال الأعمال والأطباء والمعلمين والمهندسين والإداريين والكسبة والعامة من الناس على حدٍّ سواء بحيث لا نستثني من هذه الفئات أي شريحة؛ لأن هذا الداء مرتبط بالنفس البشرية عمومًا لا بالمهنة أو الرسالة أو سواها.
هؤلاء الحسّاد يعيشون الألم والعذاب والحرقة والسهر والكيد والمؤامرة، ويستعرون نارًا من نجاحات الآخرين ومنجزاتهم، ولا ينطقون بكلمة ثناء أبدًا، ولا يساهمون في نشر النجاحات مطلقًا، ولو تأتى لهم النيل منها لأتفه الأسباب تراهم كالضباع المفترسة.
نسي هؤلاء قوله تعالى: (وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ) وقوله تعالى: (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ)، وما جاهدوا أنفسهم الأمارة بالسوء (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ)، وتركوا الحبل على الغارب لزوجاتهم أو أولادهم في تغذيتهم بأفكارهم السامة والقاتلة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ)، وكان همهم جمع المال ومناظرة الناس ونسوا أجر الله يوم القيامة (إِنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَٰدُكُمْ فِتْنَةٌ ۚ وَٱللَّهُ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌ)، فضلًا عن الشعور بالنقص وعدم الثقة في الذات، وحب البروز والأنا والكِبر، كما أن الحاسد عادة يحمل قلبًا مريضًا ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.
الحساد هم شر العباد قال تعالى: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي العُقَدِ * وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ)، اللهمّ لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، واحفظنا وجميع عبادك، واهدنا صراطك المستقيم، وأحسن خاتمتنا يوم نلقاك.



