أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

أذيتنا بريالك!

مالك العرفات · القطيف اليومالأحد 30 يونيو 2024، 11:23 ص
أذيتنا بريالك!

أثناء دراستنا في المرحلة المتوسطة قبل أكثر من ثلاثة عقود من الزمن، قررت مع أحد الأقارب وثلاثة من الأصدقاء المقربين في ذلك الوقت، لأن بعض الصداقات لا تستمر مدى الحياة بعكس صلة القرابة التي تدوم للأبد حتى وإن غاب الود والوصال للأسف في بعض الحالات (نسيبنا بس ما في تواصل)، كما أن بعض العلاقات إلى يومنا هذا تكون وقتية أو كما نسميها بلهجتنا العامية "طَرْبة"، والبعض منها مبنية على مصلحة مشتركة تنتهي بمجرد انتهاء تلك المصلحة. بالرغم من حداثتنا في ذلك الوقت وقلة تجاربنا في الحياة إلا أننا كنا حريصين على تكوين علاقات اجتماعية طيبة مع الأخيار من الأقارب والآخرين.

المُهم قررنا الذهاب إلى سوق الخميس بالقطيف، وكانت العطلة الأسبوعية في ذلك الوقت يومي الخميس والجمعة، وكنا نستغلها للقيام بأعمال كثيرة وممارسة العديد من الهوايات المفضلة والبسيطة فالإمكانيات كانت محدودة جدًا، وربما بعض تلك الألعاب اختفت من قاموس وعالم الأجيال التي تلتنا ببضع سنين وذلك بسبب التطور ودخول الألعاب الإلكترونية على الخط، بالإضافة إلى تعدد ووفرة الخيارات الترفيهية المتاحة للشباب.

كانت هنالك ثقة من الأهل وحرية محدودة في اتخاذ بعض القرارات الشخصية، وكان لتلك الحرية الأثر الكبير في صقل الشخصيات وتحمل المسؤولية في سن مبكرة ولكن تلك المساحة من الحرية كانت تُمنح تحت أنظار ومراقبة وتوجيهات الأهل تلافيًا للوقوع في المحظور لما للرفقة من تأثير كبير على سلوك الأفراد!

توجهنا إلى مكان وقوف وتجمع سيارات الأجرة، وكانت أجرة التاكسي وقتها إلى سوق الخميس بريال واحد، وأثناء ركوبنا التاكسي وبعد شد وجذب لأن كل شخص كان يرغب في الجلوس بجانب النافذة، أغلق أحد المرافقين -الله يهدينا وإياه- الباب بأقصى ما أوتي من قوة على الأقل من وجهة نظر صاحب التاكسي، بعدها صرخ صاحب التاكسي بأعلى صوته في وجه صاحبنا "انزل أذيتنا بريالك"، وهو لا يلام على ردة فعله هذه لأن السيارة مصدر رزقه، ومن مدخولها يعيل أهله فإن تعرضت للتلف تقطعت بهم السُبل هذا من ناحية ومن ناحية أخرى وكما يقال "الحلال عديل الروح" ويجب المحافظة على الممتلكات الشخصية، وكذلك المحافظة على الممتلكات العامة لا تقل شأنًا لأهمية ضمان استمراريتها، والاستفادة من الخدمات التي وضعت من أجلها وتلبية احتياجات المجتمع! بعد وصولنا إلى محطتنا، امتعض صاحبنا العزيز من ردة فعل صاحب التاكسي مهددًا بأنها آخر مرة يركب مع ذلك الرجل، وكأن مصالح العباد مُتَوقفة على رضاه وأن الناس مجبرون على محاباته وتَقبل أذيته لأنه دافع فلوس!

مرت السنوات وعندما بلغنا مرحلة النضوج الفكري أدركنا وأيقنّا، كيف لا؟ وبطل القصة صديقنا العزيز يعمل حاليًا معلم فيزياء ويعلم تمامًا "أن لكل فعل ردة فعل"، تعلمنا ضرورة الاعتذار عما يبدر منا من خطأ أو إساءة في حق الآخرين، حتى وإن لم يكن متعمدًا أو مقصودًا، فالآخرون لا يعلمون بالنوايا وخفايا القلوب، بل إن الاعتذار ثقافة وخلق كريم! يجب احترام الآخرين باختلاف ثقافاتهم والتعامل معهم بطريقة لائقة، إذا ما أردنا أن نحظى بنفس الأسلوب من المعاملة وتيمنًا بالحديث الشريف "الدين المعاملة"! كما أن الإشادة بالسلوك الحسن مهمة لتعزيز السلوك الإيجابي، فإن الشدة والصرامة في بعض الأحيان مطلوبة لوقف التصرفات غير المناسبة!

المحافظة على ممتلكات وحقوق الآخرين أمرٌ في غاية الأهمية لتلافي ردة فعلهم الغاضبة، كما أن العبث بالممتلكات العامة يعرض العابثين للمساءلة والإجراءات القانونية المنصوص عليها لكل مخالفة! رقابة الأهل على الأبناء لا تعني بالضرورة عدم الثقة في مقدرتهم أو أهليتهم على تولي أمورهم الشخصية بأنفسهم ولكن من باب الحماية حتى لا يكونون صيدًا سهلًا لضعاف النفوس والأفكار السيئة.

الاحترام المتبادل والتفهم والاهتمام عوامل مهمة لاستمرار العلاقات لفترات طويلة! ضرورة الاستمتاع بما هو متاح فالرضا لا يتعارض مع الطموح! هنالك على الأقل معلومة جديدة أو درس مُسْتفاد من كل تجربة نعيشها مهما كانت بسيطة وصغيرة وربما تافهة في نظر الآخرين لكنها تحمل في طياتها ومضمونها وتسلسل أحداثها تفاصيل كثيرة حتى لو كانت نهاية تلك التجربة على شاكلة "أذيتنا بريالك"!