هستيريا من نوع جديد.. حمّى الحضور والتواجد في كل المناسبات الاجتماعية

• المقدمة والملخص:
نتناول في هذا المقال ظاهرتين اجتماعيتين، لهما جدور في الاضطرابات النفسية والسلوكية:
1/ ظاهرة وضع رأي في كل حدث يحدث على المستوى المحلي، أو الإقليمي، أو الدولي. وفي بعض الأحيان تأخذ هذه الظاهرة بعدًا أكثر تطرفًا، فلهذه الشخصيات رأي في كل عالم، وفي كل شخصية، ولها رأي في الأقوام والأثينيات، هذا الحرص على إعطاء رأي هو الذي يمكن أن يخرج هذه الشخصيات وأصحاب التعليقات من خانة السواء إلى خانة الاضطراب.
2/ ظاهرة الحضور الاجتماعي في كل المحافل، وكل الاجتماعات، وكل الدعوات، المفرحة منها والمحزنة، الاجتماعية، والاقتصادية والسياسية، والرياضية. مع مصاحبة الانفعال الداخلي، والغضب عند عدم حضور مناسبة من المناسبات.
• اضطراب الشخصية الهستيرية:
وجود بعض الظواهر الاجتماعية والنفسية، إذا لم يتنبه لها الفرد، سيجد نفسه ضمن قائمة المضطربين نفسيًا، ويحتاج إلى جلسات نفسية، وقد يحتاج، إلى أدوية، ومضادات الاكتئاب.
هذه هي محاولة مني لتصنيف واحدة من الظواهر الجديدة، القديمة (في نفس الوقت)، التي قد لا نستشعرها، في نشوة الشباب وحمّى الاصطدام بمعلومات الحياة الحضرية بشتى أنواعها.
قد لا أكون دقيقًا 100% في وصفها بالاضطراب، لكن بروزها وتفاقمها في الفترة الأخيرة، قد يشير لنا باتصالها بجذور نفسية داخل الفرد، تصنفه ضمن المضطربين نفسيًا وفق التصنيف العالمي للأمراض النفسية.
قد يعزو البعض هذه الظواهر إلى ضجيج الحياة الحضرية وتعقدها، وصخَبِها الإعلامي اليومي، وثورة المعلومات وملاحقة الأحداث والتغييرات بشتى أنواعها بشكل يومي وتجديد المفاهيم وملاحقة هذه التحديثات.
من المعروف أن اضطراب الشخصية الهستيرية Histrionic personality disorder تندرج ضمن الاضطرابات النفسية والسلوكية لدى منظمة الصحة العالمية، المراجعة العاشرة للتصنيف الدولي للأمراض النفسية والسلوكية.( I.C.D/10).
وتتسم الشخصية الهستيرية بمجموعة من الصفات منها (السعي الدائم للحصول على الاهتمام والظهور، سلوك عاطفي أو درامي مفرط، أو إثارة المشاعر لجذب الانتفاع، التحدث بأسلوب درامي، والتعبير عن آراء قوية، لكن دون وجود حقائق أو تفاصيل كافية، الانصياع بسهولة للآخرين، التعبير عن مشاعر سطحية تتغير بسرعة، الاهتمام الزائد بالمظهر الخارجي).
يمكن مراجعة (مايو كلينك.mayo clinic).
• أعراض اضطراب الشخصية الهستيرية
عادة ما يتسم المصابون باضطراب الشخصية التمثيلي (الهستيريا) بأنهم أشخاص ناجحون ويتمتعون بمهارات اجتماعية جيدة، ولكنهم يستخدمونها في التلاعب بالأشخاص ومحاولة جذب الانتباه.
يعاني هؤلاء الأشخاص المصابون باضطراب الشخصية الهستيرية الدرامية الاستعراضية الزائفة بخمسة (5) أعراض على الأقل من الأعراض التالية:
وفقًا لمعايير الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية الإصدار الخامس.
1- الإحساس بعدم الراحة والانزعاج عندما لا يجد الشخص نفسه محط أنظار الآخرين.
2- الاهتمام الشديد بالمظهر الخارجي، وربما ارتداء ملابس غير لائقة لجذب الانتباه.
3- التصرف بشكل درامي والقيام بردود أفعال عاطفية مبالغ فيها للتأثير في الآخرين.
4- اللجوء إلى أساليب الإغراء أو القيام بتصرفات استفزازية للفت الانتباه.
5- تقلبات في المشاعر المتمثلة في: سرد الأحداث بانطباعاته الشخصية التي تفتقر للمصداقية، سهولة التأثر بالآخرين والعوامل المحيطة، الأنانية وعدم الاهتمام بمشاعر من حولهم، صعوبة القدرة على إقامة علاقات ناجحة مع الآخرين.
الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية الإصدار الخامس.
الخلاصة التي يمكن أن نستخلصها هي زيادة في الحركات والاستعراضات للفت نظر الطرف الآخر، والانزعاج من ظهور الآخرين، وهذا الكلام لا ينحصر على فئة معينة، ولا سلوك محدد، فقد تكون هذه الظواهر لدى النساء وهن الأغلب كما تقول الأدلة الخاصة بتشخيص الاضطرابات النفسية والسلوكية، لكنها يمكن أن تكون لدى الذكور، وعادة ما تكون لدى فئة الشباب المراهقين، لكن يمكن أن تكون بشكل أقل لدى البالغين، أو الناضجين.
الأهم من ذلك كله هو أن هذا الاضطراب عادة ما يكون ظاهرًا، في التعاملات الاجتماعية، ويتضح ذلك من خلال الكلام، أو السلوك، أو الأفعال.
أما ما نتكلم عنه هنا فهو يشمل الفئتين من الذكور والإناث، وهو سلوك يظهر من خلال الرغبة الجامحة من هذه الفئة نحو إبراز قدرتها، ومعرفتها في كل القضايا الطبية، والاجتماعية، ولا يروق لها إلا أن تعلق على أي خبر من الأخبار، أو التعليق على أي شخصية من الشخصيات ترد ضمن الأخبار، مستعرضة قدراتها الثقافية، وهناك بعض التعليقات غير متناسبة مع المواضيع، وقد تضطر هذه الشخصيات للاندفاع باتخاذ مواقف حدية من حدث معين، أو شخصية ورد ذكرها، من دون أن تكون واثقة من هذا الموقف، أو هذا الرأي، لكن حمّى التعليق والاستعراض تدفعها تجاه هذا الفعل.
ويحتار الإنسان في هذه المواقف المتضاربة، المتناقضة، إذا ما قيست بمقاييس السواء، هذه الشخصيات تعتاش على هذه الوضعية، بمعنى أنها لا تستطيع البقاء جانبًا من دون تعليق على الأحداث المتسارعة في العالم كله، الأمر الذي يضعها في خانة التشتت، والمتابعات المعتادة، والمخاطر غير المحسوبة، لكنها تشعر بالرضا عن نفسها عندما تفعل ذلك. وكأنها تنفست الصعداء.
قد يظهر ذلك الاضطراب في مظهر اجتماعي آخر، وهو محاولة بعض أفراد هذا النوع من الشخصيات التواجد في كل فعاليات البلاد الاجتماعية، دون التركيز على الأولويات، ومدى ضرورتها له، أو ارتباطها به، أو فائدتها لشخصه الكريم من هذه المناسبات، فمن الأعراس، إلى المناسبات الأدبية والثقافية، والمهرجانات الاجتماعية، إلى المناسبات الرياضية.
علمًا بأن هذه الشخصيات قد لا تكون رياضية، وقد لا تكون صاحبة اهتمام اجتماعي، إلا أن حضورها وتواجدها مهم وضروري إليها، ويرضي غرورها الشخصي.
مثل هذه الشخصيات تطمح إلى إيراد تعليق علني وإعلامي في أية حضور، ولا يهم بعدها في كون التعليق مناسبًا، أو غير مناسب، إن مثل ذلك يبعث في داخلها الرضا والارتياح، ومن دون ذلك قد يشعرها بالقلق والاضطراب، وتدخل هذه الشخصيات في معارك جانبية، لمن يحاول منعها من الظهور والتعليق، أو التقليل من أهمية حضورها.
بقي أن نذكر أن الشخصية الهستيرية إما أن تكون نتاجًا جينيًا، أو أن تكون اكتسبت هذه الحالة من خلال حياتها الأسرية، فالأب الهستيري أو الأم الهستيرية في التعامل مع الحياة الاجتماعية، والهستيرية في العلاقة بالأمور والقضايا والمؤشرات التي ألمحنا إليها سابقًا قد ينتجان ابنًا أو ابنة صاحبة سلوك هستيري، وهنا عندما نقول (قد) بمعنى أنه ليس بالضرورة أن يكون الولد هستيريًا كوالده.
أما الشيء الآخر والأّهم، فهو أن نوعًا من التربية المدللة قد ينتج طفلًا هستيريًا، فأدلة الاضطرابات النفسية والسلوكية تشير إلى أن عدم رفض أي طلب للطفل في الحياة الأسرية قد يؤدي إلى نمو شخصية هستيرية، وهناك نقاش طويل عن ارتباط الهستيريا باضطرابات أخرى مثل الهوس، قد يسعفنا الوقت أن نناقش ذلك في مقالة أخرى.
وفي الوقت الذي ندعو لجميع الناس بالصحة والعافية، ندعو الذين يتلمسون وجود بعض هذه المؤشرات الانتباه أولًا، والوعي لما هم عليه من سلوك ثانيًا، ومراجعة المختصين النفسيين والاجتماعيين لتصحيح مسارهم الحياتي، خصوصًا إذا ما كان ذلك يسبب لهم مأزقًا حياتيًا، وإهمالًا في أولوياتهم الشخصية، ومسؤولياتهم الأسرية والاجتماعية، والله الموفق.



