أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الخلود في أرضٍ مُقدّسة

سالم الأصيل · القطيف اليومالخميس 5 سبتمبر 2024، 9:42 ص
الخلود في أرضٍ مُقدّسة

لا يكون الغرق حبًّا في بحر الموت شرطًا للنجاة، إلّا أن يكون هدفًا للعاشق في سبيل تثبيت مقرّه الأبدي على ظهر سفينة النجاة.

وهل يطول الموت عاشقًا مات في سبيل معشوقه؟ مثال المعشوق الأعلى في ركب العشق الأسمى.

كم هي ذكية الحياة السرمدية التي اختارها المعشوق الخالد لثلة قليلة من العاشقين في الجواز بهم إلى ضفة الخلود، والانتصار لهم على الموت -كما اعتاد الانتصار على هذا الأخير- الذي يظهر منه ومعه وجع الفقد والفراق وصورة النهاية!

هكذا يضمن المعشوق لعشّاقه انتقالةً سلسةً يسيرةً بين العالَمين، من الأول إلى الآخر، من الأدنى إلى الأعلى، من الفاني إلى الباقي، فيهون خطب الفقد بحلاوة المرجع والمآل.

كلّ الذين يقصدون المحطات لا يرجونها إلّا وسيلة مؤقتة؛ مجرّد محطة للانتقال، إلّا أن تكون محطة للعبور إلى الخلود، فهي المقام المرتجى، والغاية الأسمى.

هكذا يأمل كلّ العشاق، في سبيل وصال معشوقهم. فهل يوجع الأحياء أكثر من فقد الأخلّاء؟ وهل يوجع الموتى إلّا غربة فراق الأحبّاء ساعة الرحيل؟ إلّا أن تكون ثمة مرتبة أعلى -وصل المعشوق الأسمى- في الانتظار، وصلٌ أغلى وأنفس؛ ثمرة النوح والبكاء والندب الطويل صباحًا ومساءً على دكة الوصال في انتظار وصْلٍ أقرب وأبقى: "وأمتني مماتهم، وتوفّني على ملّتهم، واحشرني في زمرتهم، ولا تفرّق بيني وبينهم طرفة عين أبدًا في الدنيا والآخرة".

أيُّ لذةٍ بعد أن يمدّ المعشوق يد اللطف فيمسّ حرارة روح الزائر العاشق النقي فيجذبها إلى ساحة قدسه؟ فلمّا لمس نقاءها تماسّت الأرواح المتآلفة أصلًا، وتجاورت الأجساد التي خُلقت من فاضل الطينة وما أخرها عن النصرة والفِداء والفَناء إلّا الدهور والمقدور "لئن أخرتني الدهور، وعاقني عن نصرك المقدور"، تجاورت إذ بلغ الشوق مداه، والحزن والأسى امتلاءه ومنتهاه، ففاضت النفس وما تفيض النفس إلّا عند امتلائها" ولكن تفيضُ النفسُ عند امتلائها" كما قال أبو تمام ذات قصيدة.

فتتماسّ روح العاشق وروح القدس وهو يقول: "فداك نفسي وروحي"، فتجيبُ النفس المطمئنة دعوة الوفادة الكريمة من نداء "ارجعي" فترجع سريعًا راضية مرضية، تُسلم الروح مرتاحة في رَوحٍ وريحانٍ رفقة الأرواح التي حلّت بفنائه. وهي تتمتم في جواره مع المؤمنين بوردها المُرَدَّد مدى الأزمنة والعصور: "السلام عليك يا أبا عبد الله وعلى الأرواح التي حلَّت بفنائك، وأناخت برحلك،" في السلام على الشهداء وسيّدهم؛ فيجذبه السيّدُ كرمًا ليكون من الأرواح التي حلّت بفنائهم، وأناخت برحلهم، والتحقت بركبهم، ثم ينفحه كرمًا وفضلاً سلام المؤمنين "عليكم مني سلام الله أبدًا ما بقيت وبقي الليل والنهار" فأيّ كرامة للملتحق بالركب بعد هذه؟ "واللازم لكم لاحق".

ثم سترى الراكبين الباقين يُحدّثون أنفسهم ويرجون مُسيِّرَها الغرق والمكوث على ظهرها/ تُربها الذي فيه الشفاء، شفاء الجسم والروح. شفاء الروح بعدما ذبل الجسد، والروح قد استقرت في الأرواح التي حلّت بالفناء وأناخت بالرحل.

كيف يكون "الموت الذي تفرّون منه" رديفًا للتشبث بالحياة؟ كيف يكون الموت مَطمحًا للأحياء إلّا أن يكون في وصال المعشوق، المعشوق الذي وعدهم تفضلًا منه وكرمًا بالإضافة إلى ساحة خلوده، متجاوزًا الأزمنة والأمكنة.

أمنية يحملها شطر بيت شعرٍ -وشطرُ واحدٌ يكفي- مشتعلٍ للجمريّ الملا عطيّة على متن قصيدته تطوي الزمان: "ودي أوصّل مصرعك وانجدل وياك".

فترى من صدق من المؤمنين: منهم من قضى، ومنهم من يتمنى، ومنهم من ينتظر هذا الوعد/ العهد الذي لا بُدّ منه، وما بدّلوا تبديلًا.

يبقى الفراق مؤلمًا للأحياء، لا سيّما الأحباء، لكنهم يستأنسون ويتعزّون ويتسلّون بخاتمةٍ للفقيد سعيدة حسنة يتمنّاها كُلّهم. فطوبى للعشاق الملتحقين.

أحدّق الآن بابتسامة مُقابِلة لتلك الابتسامة الطيبة للمرحوم بالجوار الطاهر، الدائمة التي لا تفارق محيّاه فأظنّ راجيًا: لعلّها ابتسامة أبديّة متسمّرة بيقينٍ وثبات بعد أن لوّح لها الخلود بيديه، مؤكدًا لها البقاء السرمدي!.

رحم الله حسين بن جعفر الأصيل الذي قضى نحبه بالجوار المقدس، ورحم كلّ من اختاره الله في أرضٍ مقدسة. رحمهم الله قولًا وفعلًا.