أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

نسائم تشبه الشتاء!

هلال الوحيد · القطيف اليومالسبت 26 أكتوبر 2024، 5:45 م
نسائم تشبه الشتاء!

في بداية الكلام أطرح عليكم سؤالًا: أيّ فصلٍ من فصول السنة ترتاحون له أكثر من غيره؟ ماذا لو بقي الزمان فصلًا واحدًا؟ هل في تعاقب فصول السنة حكمة؟

صباح يوم الجمعة، الخامس والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر، في مدينة الرياض، درجة الحرارة 19 درجة مئوية ونسائم الشتاء هبت أو تكاد مع أن الشتاء لم يأت بعد. السماء بأكملها مغطاة بلونٍ فضيّ من الغيوم وزخات خفيفة من المطر. فصل الشتاء عندنا "دلع" إذا ما قارناه بما عند غيرنا، ومع ذلك تأتينا أيام تشبه الشتاء الحقيقي.

لا أزال أتذكر كيف تعايشنا مع الشتاء في سنوات الطفولة؛ آنذاك أحوال أغلب الناس ماديّا أقل من المتوسط. كان بيت عائلتنا أقل كفاءة من أن يحمينا من المطر إن جاء، فإذا صادف أن كان الشتاء ممطرًا سقف الدار لا يحمي من المطر. مهما يكن الأمر؛ نريد فترة راحة من حرارة الصيف التي أتعبتنَا وأهلكت الوردَ والزرع. فصل الصيف عندنا قاسٍ جدًّا وطويل وفي هذا الطقس تتحسن أمزجة الناس.

من جمال الدنيا أنها لا تدوم على حال فإذا الفصول تقلبت بين صيفٍ وشتاء تقلبت أحوالُ الناس بين غنى وفقر وصحة ومرض. روي في تفضيل الفقر على الغنى عن رسول الله صلى الله عليه وآله: "أوحى الله إلى موسى بن عمران: يا موسى! ارضَ بكسرة خبز من شعير تسد بها جوعتك، وخرقة تواري بها عورتك، واصبر على المصيبات، فإذا رأيت الدنيا مقبلة فقل: إنا لله وإنا إليه راجعون عقوبة عجلت في الدنيا، وإذا رأيت الدنيا مدبرة والفقر مقبلًا فقل: مرحبًا بشعار الصالحين".

الغنى‏ والفقر يكشفان جواهر الرجال وأوصافها! هكذا اختصر الخليفة الإمام علي عليه السلام المسافة بين الفقر والغنى. قيمة الإنسان ليست بما لديه من مال أو جاه أو سلطة إنما بنقاوة وصفاء جوهره وإيمانه وإنسانيته. في الناس من أعطاه الله ملايين ولا يعطي فقيرًا قرشًا واحدًا، وبعض الناس أجود من السحاب.

غاية المرام: يقبض الله الرزق عن عباده ويبسطه لهم لحكمة لا يعرفها إلا هو سبحانه وتعالى ويغير الفصول لحكمة لا ندركها. فإذا جاء شتاءٌ فرحنا وإذا جاء صيفٌ صبرنا. إذا كان غنى شكرنا وإذا كان فقرًا حمدنا. كل فصل يطيب مع العافية ولو بقي الزمان كله فصلًا واحدًا لما عرفنا فضلًا من فصول السنة الأربعة على آخر.

من نصائح الخليفة الإمام علي عليه السلام: "توقوا البردَ في أوله، وتلقوه في آخره، فإنه يفعل في الأبدانِ كفعله في الأشجار، أوله يحرق، وآخره يورق". يقول ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: "هذه مسألة طبيعية قد ذكرها الحكماء" وذكر فيها تفصيلًا لا تتسع له الخاطرة، يستطيع القراء الكرام أن يجدوه في محاله!