أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

ملاك غادرنا للجنة

عبد العظيم شلي · القطيف اليومالخميس 31 أكتوبر 2024، 5:46 م
ملاك غادرنا للجنة

من أسعد لحظات الإنسان أن يرزق بمولود سواء كان ذكرًا أو أنثى، شعور باذخ بالتجلي باعتزاز النفس، ودعوات شكر لخالق الكون، هي الأمنيات القلبية المرسلة من الأحبة والأعزاء في ليلة زفاف العروسين (رزقكم الله الذرية الصالحة، وبارك الله لكم)، و(بالرفاء والبنين)، دعوة إثر دعوة لالتئام الأرواح بالمودة والعشرة الدائمة مكللة بإنجاب البنين ليصبح لهم زينة في الحياة وذكرًا طيبًا بعد الرحيل.

كل مولد يأتي هو قرة عين لوالديه، ينظران إليه بعز وفخر، وشعور غامر لا يوصف، فهو الامتداد لكيانهما، ينظران إليه كمن يرى نفسه في المرآة، فهو الذات والكينونة لكليهما مجتمعة في نفس واحدة، نفس جديدة أتت للدنيا، تغسل كل متاعب ومكابدات الوالدين بأمنية تحققت بعد ترقب وطول انتظار، يتفقان على التسمية ليحمل كنية المناداة لشخصيهما الكريمين، تتراسل قلوب الأهل والأعزاء والأقارب والمعارف بباقات التبريكات وتتسابق بنثر الهدايا تعبيرًا صادقًا بعطية الواحد الأحد.

قبل شهر رزق ابن أخي أحمد عبد الحي شلي بمولودة أسماها زهراء أتت للدنيا بعد ولادة قيصرية ووضعت في الحضانة فهي طفلة "خديجة" على أعتاب شهرها الثامن، تعافت الأم من متاعب العملية والولادة وظلت الطفلة تحت العناية والمراقبة، مع إرضاع يومي من صدر أمها، كل يوم وكل ساعة تكبر الفرحة في عيون والديها كلما استجابت للرضاعة والوزن يزداد بعض الشيء، تتقلب تارة وتحرك أطرافها والرأس، ابتسامة وضاءة على محياها بينما أنامل الممرضات ينقلانها من حجر أمها إلى الحضانة.

دعوات قلبية لم تنقطع من لدن الأمهات والجدات طوال 28 يومًا "اللهم احفظ زهرتنا وجيبها لينا بالسلامة" نذور لهجت بها الأفئدة بأن يمن الله عليها بالشفاء كما من على أمها، لكن البارحة وئدت الأحلام، ذبلت زهراء التي بالكاد تفتحت، لم تنثر عبيرها بالفرح المنزلي المعد سلفًا وبالهدايا المنتظرة، غادرت مكانًا لم تبرحه إلا جثة هامدة.

حملها أبوه دون أمها وهو يبكي طوال درب من مستشفى الولادة بالدمام إلى مقبرة المصلى بتاروت. نزل بمعية والده يحمل طفلته، تراءى لي وهو مقبل علينا كأنه يحمل ثوب عرسها وليس محبوبته زهراء، أخذته بالأحضان وطبطبت على كتفيه، لأهدئ من روعه واسيته بكلمات الصبر وطمأنينة التسليم بقضاء الله وقدره، ازداد نحيبه دموعًا بزفرة وحسرات، حين طال وقوفه مع عمه والد زوجته، ببكاء مر لفرحة لم تكتمل، أنفاسنا تشيعها بكلمات الصبر والسلوان (لله الأمر من قبل ومن بعد).

وضعت على المغتسل وفتح القماش الأزرق السماوي، رأيت الوجه النوراني وقد تكتم والجسد مخضر، جسد غض صغير جدًا ينساب عليه الماء بصلوات وتسابيح، نثر عليها السدر والكافور، رائحة نفاذة لا تشمها إلا عند حوض المغتسل، خرجت من الغرفة مكتوم الأنفاس تاركًا أخي عبد الحي وابنه أحمد المكلوم برحيل أول مولودة له، لم يهنأ بمقدمها إلا شهرًا واحدًا، جلست وحيدًا بين الممر أتأمل الصمت وأجول بناظري على متعلقات غسيل الموتى واصطفاف النعوش، وتذكرت كم من نفس ودعناها في حيز هذا المكان، وكم سمعت نحيب الأحبة والنسوة وهي تودع رحيل الأحبة.

رأيت لوحة معلقة خلف رأسي أشبه بوسيلة إيضاح في فصل مدرسي، جسد ممدد على نعش، تعلوه عبارة:(صلوا قبل أن يصلى عليكم)، وأسفل الرسم توجيه وإنذار لكل نفس حية: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، هذا يومي، فقريب يومكم).

جملة توقظ الحواس الغافية، نعم كل نفس سائرة للموت حتمًا طال الدرب أو قصر، لكن أي نفس تحاسب نفسها؟ لطاعن في السن مل من الحياة، أم من طفلة لم تر من الحياة شيئًا؟ هي الأعمار بامتداداتها الزمنية مقضية بين ليلة وضحاها.

أخرجت الرضيعة في كفن أبيض ووضعت على عربة نقل الموتى، وفتح وجهها، بعد ثوان قبلها جدها وجدتها وخالها قبلات الوداع، حملها أخي عبد الحي بتؤدة سائرًا بها لمثواها الأخير، وضعت في قبر أقل من متر، بجوار حيز مخصص لرحيل المواليد والرضع، أهيل عليها التراب، قرأنا الفاتحة على روح غضة لم يصل عليها صلاة الموتى ولم تلقن في لحدها ولن يقام على روحها مجلس عزاء، رضيعة ليس عليها حساب ولا عذاب، ملائكة لم تسجل عليها شيئًا في كتاب لأنها ملاك ارتقى للجنة.

صبرًا جميلًا يا بن أخي عوضك الله بمولود آخر يمسح دموعك الحارة.