أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

المتقاعد المحترم جدًا

إبراهيم الزين · القطيف اليومالسبت 9 نوفمبر 2024، 11:12 ص
المتقاعد المحترم جدًا

من المؤسف جدًا ما ينال المتقاعدين من السخرية واختلاق النكات حولهم بين فترة وأخرى، وإن كانت عن غير سوء نية، فليس كل أمر محمود أو مسموح، فهؤلاء الفئة من البشر يستحقون منا كل احترام وتقدير وإجلال، وهم من الذين يجب تكريمهم، كما كرمتهم بعض جهاتهم العملية وهم يتقاعدون.

نحن لا نعلم كم وكيف صرف هؤلاء سنين أعمارهم وهم برسم الخدمة المختلفة. والتي غيبت بعضهم سنوات كثيرة متغربين في أقاصي البحر أو البر، من بلادنا الشاسعة، وقد تغيرت ألوانهم وشاخوا قبل أوانهم، وهم في ريعان الشباب، فقط من أجل لقمة العيش، والكد على ذويهم ومن يعولون معهم، لا يعرفون للراحة سبيلًا، سوى أيام العطل المعدودة، أو الإجازات السنوية التي لا تكفيهم حتى لاسترداد أنفاسهم، فضلًا عن الالتفات لأسرهم ومعرفة حاجاتها ومتطلباتها التي تركوا عنايتها لمن في البيوت.

إن هؤلاء الذين قضى معظمهم أعمارهم في الوظيفة من صباهم إلى أن شابوا، وتقاعدوا مجبرين لا مخيرين، وجدوا أنفسهم فجأة والفراغ يحيط بهم، وقد تعلقوا بوظائفهم لدرجة أن الكثير منهم لم يتحملوا ذلك، لدرجة أن بعضهم صار يدوام على ارتداء ملابس العمل وينتظر الباص عند شروق الشمس، ليأتي ويأخذ غيرهم ويتركهم على قارعة الطريق، فيعودوا أدراجهم يسحبون أذيالهم ويمسحون دموعهم، إلى أن يغادروا الحياة واحدًا تلو الآخر في مدد قصيرة جدًا بطريقة حيرت الكثير لدرجة الريبة، ولكنه الفراغ القاتل فعلًا بعد النشاط الدائم، إلا القلة منهم الذين لم يستسلموا لذلك، وحاولوا جاهدين التغلب على الحالة السائدة ليجددوا حياتهم، إما بالالتفات لعائلاتهم وبيوتهم التي قصروا عن أداء واجباتها إبان العمل، فقاموا بما يستطيعون من ترميم ما تصدع، وتأدية ما قصروا فيه تجاه ذويهم والأسقف التي يعيشون في كنفها.

وربما قام البعض منهم، وعلى الرغم من الأعمار المتقدمة بالانخراط في الحياة الاجتماعية، وساهموا في مناشط مجتمعاتهم المختلفة، وارتقوا بها ومعها مجددين حياتهم، ليعيشوا سنين مختلفة عن أجواء العمل المندلفة. إلى سنين أزهى وأجمل وإن تأخرت.

لهذا نقول بأن ملاحظاتهم المتتالية تجاه المنزل أو الأفراد ما هي سوى توجيه وإرساء وتسديد وإصلاح، وليست اجتهادًا وعفوية لسد الفراغ الذي يعيشونه، كما أن وجودهم برسم خدمة مجتمعاتهم لم يكن مزاحمة لأحد بقدر ما هي النفوس العظيمة التي ترهن نفسها لغيرها، بدل الانعزال التام، لنقوم نحن باتخاذهم محطة للسخرية والنكات السمجة.

المتقاعد سواء ذلك الذي أتم عدته حتى سن التقاعد، أو أولئك الذين تقاعدوا مبكرًا، أو استقالوا، أو أقيلوا لعارض صحي دائم أو خلافه، هم أناس حق أن يحترموا ويقدروا، لأنهم بذلوا جل حياتهم خدمة لوطنهم، وكدًا على أنفسهم وذويهم الذين حرموا منهم فترات طويلة جدًا، وحكم عليهم بأن يعيشوا مغتربين في البر والبحر وربما السماء، لا يعرفون من الحياة سوى قسوتها، والجهد والعرق والغربة، والوداع الحزين.

وقفة:
لا نفهم حقيقة كيف يقدم عريسان للتو عقدا على الانفصال -ما بين غمضة عين وانتباهتها-. كما لا نفهم سرعة انفصال غيرهما وهما لم يكملا حتى شهر العسل -كما يقولون- ليفاجئوا ذويهم بالانفصال دون سابق إنذار وحكمة وروية.

والأدهى من ذلك وأعظم، هو أن ينفصل زوجان، وهما على أبواب قبريهما -الأعمار بيد الله تعالى- وقد جاوزا السبعين من العمر بل وأكثر، بما يدل على أن العشرة التي بينهما ربما كانت خمسين عامًا، لم تكن وهمية بقد ما كانت حقيقة تم اغتيالها. خمسون عامًا وينفصلان، وقد فرق بينهما الشيطان قبل أن يفرق بينهما الموت. فيا للعجب ويا للأسف!

والسلام!