أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

نحن والظلّ!

هلال الوحيد · القطيف اليومالأحد 26 يناير 2025، 10:16 م
نحن والظلّ!

أتذكر أننا قضينا شطرًا من صبانا في جزيرة تاروت ساكنين في بساتين مختلفة وأن يكون لنا عريش من جريد النخل نقيل فيه ساعات الظهيرة، نفيء إلى ظلاله قبل دخول الكهرباء، ننام ساعة ثم توقظنا الشمس. ذهب العريشُ والزمان وأهل ذلك الزمان مثلما يذهب الظلّ السائر! أغلب الناس كانوا فقراء ومساكين يبحثون عن ظلّ ونسمة هواء يجلسون أو ينامون تحتها!

أنا وأنتم أيضًا ساعةً ونزول، لكن الفكرة هي أن الظلّ ينفع ويفيء، فهلا كنا في الدنيا مثل شجرة تفيء وتبسط ظلها للجالسِ تحتها؟ التعاضد الأسري والاجتماعي وحب الأولاد أفضل ظلّ يمكننا أن نصنعه في حياتنا:
ترجو البقاءَ بدارٍ لا بقاءَ لها ... فهل سمعتَ بظلٍّ غير منتقلِ؟

عجيب أمر الدنيا؛ كلنا يحبها ويعلم أنه تاركها فكأنها الحسناء الوحيدة في البلد، نخطب ودها ونتمنى صداقتها، وحين نظن أن العلاقة استقوت عراها تخون وتغدر، لذلك تشبه الدنيا بالظلّ المريح الذي يزول سريعًا. نرتاح إلى نسمات الهواء الباردة في ظل دار أو شجرة أو حائط وسريعًا ما يزول الظل.

في قصص القرآن الكريم أن موسى -عليه السلام- تعب من السير في الطريق والجوع، ملأ الدلو ماءً من البئر المزدحمة بالرعاة، ثمّ سحبها بنفسه وسقى أغنام المرأتين كلها ثم تولى إلى الظل وقالَ: رب إني لما أنزلت إلي من خيرٍ فقير {فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}. متعب وجائع وغريب، وفي الوقت ذاته ترك أمره كله لله سبحانه وتعالى ولطفه.

روي عن ابن مسعود أن رسول الله -صلى الله عليه وآله- نام على حصير فقام وقد أثّر في جسده، فقالوا: لو أمرتنا أن نبسط لك ونعمل، فقال: "مالي وللدنيا؟ وما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح أو تركهَا".

كان الحسن بن علي -عليهما السلام- كثيرًا ما يتمثل فيقول:
يَا أَهْلَ لَذَّاتِ دُنْيًا لَا بَقَاءَ لَهَا ... إِنَّ اغْتِرَارًا بِظِلٍّ زَائِلٍ حُمْقُ

لكيلا تكون الفكرة من الخاطرة مشوشة ألخصها مرة ثانية: الدنيا ساعة وتزول مثل الظلّ. وإن كانت الحياة جميلة تستحق التعب لكنها ليست جديرة بأن نحتَرب ونَتقاتل ويظلم بعضنا بعضًا ويقاطع بعضنا بعضًا من أجلها. عندما ننسى أن الظلّ يزول نغفل عن حقيقة الآخرة "وأما طول الأمل فينسي الآخرة" ونعمل للدنيا وحدها. العاقل يعمل بالنصيحة الرائعة: "ليس منا من ترك دنياه لآخرته ولا آخرته لدنياه.

الرجاء من الله سبحانه وتعالى أن يسكننا تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله. ارزقنا يا رب آنذاك ظلًا يقينا حرّ الشمس والنار وأنفاس الخلائق.