أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

«الولمَة لعواز».. ذكريات يوم ماطر قبل أكثر من خمسين عامًا!

هلال الوحيد · القطيف اليومالأحد 16 فبراير 2025، 6:04 م
«الولمَة لعواز».. ذكريات يوم ماطر قبل أكثر من خمسين عامًا!

اليوم هو الأحد، الموافق السادس عشر من شهر شباط/ فبراير 2025م. صحونا على أمطارٍ جيدة. إذا أنت في عمري -القارئ الكريم أو القارئة الكريمة- لا بدّ أنك تتذكر حالات المطر في سنوات الطفولة! بعض الذكريات الطريفة لم تغب عن بالي أبدًا!

يوم ماطر جميل تنزل فيه قطرات المطر نحو الأرض ويفتح الله فيه أبوابَ السماء للداعين، فلا تنسَ أن تدعو الله سبحانه وتعالى أن يديم نعمه ويبقيها ويكثرها. يقال: إن المطر ينشط الذاكرة وها هو ينشط ذاكرتي لأكتب عن ذكريات يومٍ ماطر قبل أكثر من خمسين سنة.

قبل أن تقرأ هذه الذكريات أطلب منك ثلاثة أمور؛ الأول: أن تحمد الله على تحسن الأحوال. الثاني: إذا كنت في نعمة فارعها واطلب من الله أن يديمها. الثالث: تذكر أن الدنيا دولاب ولا تدوم على حال، من هو فوق الدولاب يكون أسفل الدولاب ومن هو تحت يرجو أن يكون أعلى الدولاب.

كان سقف بيتنا مثل كثير من بيوتات جزيرة تاروت؛ جزيرة تقع أقصى الشرق من المملكة العربية السعودية، من جريد وسعف النخيل فإذا جاء المطر يخر السقف ويصير حوش البيت بحرًا دون أسماك. تتشكل لجنة طوارئ بقيادة الوالدة والعمال أنا وإخوتي وأخواتي نحاول أقصى جهدنا أن نزف الماء بالطاسات من حوش البيت وتجهيز مكان النوم. أما فرش النوم والحصائر فلا تسأل عنها، أخذت تسبح كالقوارب في الماء!

يلزم الوالدة أن تذهب إلى الزريبة -حظيرة البقر- وتحلب البقرة حتى نفطر على خبزة وكوب من الحليب. المشكلة أن سقف الحظيرة لا يمنع المطر، تتسخ الحظيرة وتصير أرضها زلقة يصعب المشي فيها. مع كل هذه المعاناة لا بد من إكمال مهمة حلب البقرة!

الوالد -رحمه الله- يضع على رأسه غطاءً من الخيش أو البلاستيك ويجهز "الحمارة" -أكرمكم الله- للذهاب إلى البحر وصيد ما يوفره الله له من رزق بسيط. كيف يجلس من دون عمل ولديه عائلة كبيرة تنتظر القوت؟ كل يوم برزقه وإذا لم يعمل لم يأكل!

مع كل تلك المعاناة لم يفارقنا الأمل وكان شعار أمنا، ألف رحمة تنزل على قبرها: "بكرة تكبر الصغار وتعمر الديار". بكرة جاء والله سبحانه وتعالى كبَّر الصغارَ وعمَّر الديار. درسنا على أضواء الفوانيس قبل الكهرباء، الحال مستورة كما جلّ الناس. مرت السنوات والتجارب التي لا تقتل تقوّي. الحمد لله الذي أفضل وغيّر حالنا إلى أحسن حال.
إِذا كُنتَ في نِعمَةٍ فَارعَها
فَإِنَّ المَعاصي تُزيلُ النِعَم
وَحافِظ عَلَيها بِتَقوى الإِلَهِ
فَإِنَّ الإِلَهَ سَريعُ النِّقَم

ذلك الجيل الذي عاش الفقر والمعاناة آخذ في الشيخوخة. عمره أكثر من نصف قرن، شعيرات بيضاء تغطي رؤوسه؛ قلبه أبيض وذاكرته متوقدة كما جمر مواقد الشتاء التي كان يجتمع حولها في دائرة اجتماعية ملتصقة، حتى إذا انتهى العمر لم ينتهِ الحلم.

غاية المرام: المطر ضيف "خطّار"، افرح وابتهج ولا تبطر فالعمر ينتهي وتبقى الذكريات!