تُحفّة فنيّة من الحروف والكلمات!

معاناتي في الكتابة تبدأ عندما أجهل كيف تكون البداية وكيف أستطيع أن أضع كلماتي في فوّهة الحدث حتى يفهمني القارئ ويستمر في القراءة كلمة تلو أخرى.
ومن انطلاقة الحرف الأول يكون مُخاض الأفكار التي تحلّق بأفقي ويصوغها قلمي. فمن أجمل ما قِيل عن الكتابة إنها فعلُ خلاص، إنّها تُسكّن أوجاعَ الكاتبِ وأوجاع من حوله، هي تلك الكلمات التي لو وُجّهت نحو سور الصين العظيم لدكّت أركانه، فالكاتب يستطيع أن ينقل الأحداث المؤلمة إلى تحفة فنية من الحروف والكلمات، ويصنع جسرًا بينه وبين الناس يتلمّس جراحهم وينقل مشاعرهم، يداعب الحرف ليُخرج أجمل المشاعر، ويُخفف من أوجاع القلوب فيحبّه الناس ويقبلون على قراءة ما يكتب لأنه صنعَ يومهم وأخرج ما في جعبتهم من أفكار وأسرار وأمنيات.
مرّت علينا أجيال وسنوات ولم تبعدنا تلك الأزمنة عن الكلمة الجميلة والفكر الأنيق، نقرأ الكتب والمجلدات لكُتّاب مضوا ولعصور أُقْفلت ستائر منصّاتها، تشرق الشمس، وتهطل الأمطار، ومازالت الجبال قائمة لم يختفِ عنفوان قوتها أتعلمون لماذا؟ لأن إتقان العمل يخرجه متفردًا بملامح جماليّة خاصة بصاحبه، فالروائيّ والقاصّ كلاهما أمسك بخيوط الحياة وأجاد صناعة الحدث تصهرهما مشاهد حياتيّة مختلفة، غاصا في أعماق البشريّة المظلمة والنورانيّة فاستخرجا اللؤلؤ المنثور والحجارة السوداء، هما ساحران يُخيّل لهما الحبال أفعى فيبدعان من خلال هذه الرؤية الصارمة.
أما الشعراء فهم الغاوون يتراقصون بألفاظهم ويطربون من حولهم بأصخب موسيقى وملكتهم اللغويّة هي حارسهم الأمين يثنون على الحياة بمزمار جميل.
وما خُلّد بشرٌ مثلما خُلّد الكتّاب والعلماء بمدادهم وبما كتبوا من خير فمازلنا نستمتع بما كتبوا، يقول ميخائيل: "أعرف أن الكلمة حياة متحركة وهي بأدقّ تفاصيلها رمزٌ لما هو أكبر وأعمق من حروفها"، لذلك كانت الكلمة الطيبة صدقة وأصبحت أداة للحياة، تعيد الحياة إلى الأجساد الميتة فمن كتب الكلمة ونطق بها يبقى في القلب لأنه جسّد معاني الخير وأطرق بفكره واستمع جيدًا لأصوات حبيسة غاصت في بطون الأرض فأخرجها وأنطقها وأحياها بعد سبات دام دهورًا.
فالكلمة تخضعُ لإرادة العقل ويخرجها اللسان بما يُملى عليه سواء أكانت طيبة أم خبيثة، لذلك كان هناك من يكذب بكلمة، ويشتم بكلمة، ويدفن إنسانًا بكلمة، كانتْ العَرَبُ تقول: "بعضُ الكَلَامِ كِلام" والكِلامُ (بِكَسرِ الكاف): جَمعُ كَلْمٍ، وهِيَ الجُرُوحُ ومن هذا المنطلق نستطيع القول بأنّ لسانك هو رسولك إلى الناس وهذا هو حال بعض النّاس حديثهم عالم زاخر بالأناقة اللفظية، يتجدد الوقت معهم، وتخجل الدقائق أن تنتهي في حضورهم.
في الوقت الذي ترى العالم يضج بالحمقى وقليلي التّهذيب تكشفهم ألسنتهم مهما بالغوا في ارتداء ملابس لا تناسب مقاييسهم وانتحلوا عقولًا لا تؤمن بمنهجهم الاجتماعي. فمِن أعظم أمارات الحُمْق في الأَحْمَق لسانه؛ فإنَّ قلبه يكون في طرف لسانه، ما خطر على قلبه نَطَق به لسانه.
يقول مارك توين: لم أدرس الطب البيطري لكنّني أعرف الحمار من أول نقاش.
في خِتام حديثي تجدر الإشارة إلى أصناف من البشر أوقفوا أنفسهم على وضع قوانين خاصة بهم وأرادوا فرضها على من حولهم قسرًا، توهموا أن منكبهم جناحًا، لذلك لا داعي لاستنزاف طاقتك في التّحاور معهم؛ خاصّة أولئك الذين يرون الآخرين أشخاصًا جهلاء أقزامًا لا هويّة لهم.



