أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

«أول الإفطار تمر!»

منصور الصلبوخ · القطيف اليومالأحد 2 مارس 2025، 12:51 ص
«أول الإفطار تمر!»

كان إذا جلس على مائدة الطعام، يختار أفضل المواقع، ويدرس أقصر الطرق للوصول إلى مبتغاه، فإذا قُدِم الطعام، ينتظر تلك الحبات الذهبية توضع على المائدة، يمد يده ليختار بعناية أفضلها، معتمدًا على معرفته بأصناف الرطب والتمور وأجودها، اعتاد على تناولها بسْرًا وسلوقًا ورُطَبًا وتمرًا، وقد لا يتصور أن يمر يومًا دون وجودها، يعلم أن تناول تلك الطيبات - بفضل الله - أمدّته بعناصر الحياة، وجعلته قادرًا على مواصلة عمله الجسماني والذهني، فهو قليل التعرض للأمراض التي شاعت في هذا الزمان. كون صاحبنا مثالًا للنشاط لحرق السعرات وإذابة الشحوم، ولا يكلف نفسه عناء التفكير في اختياره الطعام الطيب. إذا كان صاحبنا مثالًا لمقومات الصحة والنشاط، ليس لكونه يعشق التمور ويستمتع بأطايب الطعام، دون أن يرف له جفن أو يخفق له فؤاد خوفًا من السمنة وأمراضها، إنما إيمانه القوي أن الله عز وجل أعطاه نعمة عظيمة، نعمة الصحة، وجب عليه المحافظة عليها، هذه تعاليم الله {لَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } (سورة البقرة - آية 195)، وكذلك معرفته الكاملة بأنواع وأصناف الطعام الطيب، وطرائق الاستفادة منه وكيفية التعامل معه؛ فلو تتبع كل إنسان تعاليم الدين الإسلامي والتوصيات الصحية حول الغذاء، لما احتجنا إلى هذا الكم الكبير من المشافي والمستشفيات، وقد لا نحتاج إلى مراجعة الطبيب إلا لطلب الحصول على المشورة أو التوصيات.

أظهرت الأبحاث التي أجريت في مختبرات الهيئة العامة للغذاء والدواء لعدد من أصناف التمور بمختلف مناطق المملكة العربية السعودية، أن أغلب التمور لا تقل نسبة السكر المحول (الجلوكوز + الفركتوز) عن 60%، والسكروز بين 0.3 - 0.5%، وأفضل نتيجة كانت لتمر الخلاص حيث وجد أن نسبة السكر المحول لا تقل عن 65%، وخلوه تمامًا من السكروز، في المقابل وجد محتوى تمور السكري من الجلوكوز والفركتوز لا تزيد على 25%، وارتفاع السكروز إلى 41%، وتشير تلك النسبة المرتفعة من السكروز إلى عدم مناسبته لمرضى السكر!

لماذا كان التمر بالذات هو الطعام الأول الذي يبدأ به الصائم بعد فترة انقطاع عن الطعام؟ إن ذلك يتضح جليًا عندما نعلم أن التمر من أغنى الأغذية بسكر الجلوكوز، وإذا علمنا كذلك أنه بعد نهاية مرحلة ما بعد الامتصاص - في نهاية الصوم - يهبط مستوى الجلوكوز والإنسولين في الدم؛ لأدركنا بعض الحكمة من كون الإفطار على التمر أولًا، لأنه أفضل غذاء للجسم حينئذ إذ يحتوي على نسبة عالية من السكريات. تشكل معظم السكريات في التمور على هيئة سكر محول (جلوكوز وفركتوز)، والقليل على هيئة سكر ثنائي (سكروز) لا تتجاوز 1% حسب صنف التمر، ويشكل الجلوكوز نسبة 55% منها. وعلى العكس من ذلك فلو بدأ الصائم بتناول الأغذية البروتينية أو الدهنية فإنها لا تؤدي الغرض في إسعاف الجسم بحاجته السريعة من الطاقة، لأنها لا تمتص إلا بعد فترة طويلة من الهضم والتحلل.

يحتوي التمر على: 21% ماء و2.1% بروتين، و73% مواد سكرية، و0.8% مواد دسمة، و3.4% ألياف. فهو غني جدًا بقيمته الغذائية، ويمد الجسم بطاقة حرارية عالية لاحتوائه على مواد سكرية ومعادن وفيتامينات وألياف، تصديقًا لقوله تعالى {وَزُرُوعٍۢ وَنَخْلٍۢ طَلْعُهَا هَضِيمٌ} (الشعراء: 148). تتركّز السكريات فيه بنسب تتجاوز الـ80% من المادة الجافة لتؤمن الجلوكوز، والفركتوز، والسكروز، إلى جانب السكريات هناك قائمة متنوعة من الأحماض الأمينية، والفيتامينات، والبروتينات، والعناصر المعدنية كالحديد، والبوتاسيوم، والكالسيوم والسيلينيوم، والزنك.

يمكننا وبعد معرفتنا للقيمة الغذائية للتمور أن نخلص للقول بأنه: لابد من تواجد التمر ضمن الطعام اليومي على المائدة لأسباب عديدة أهمها: القدرة على التحكم في الغذاء قبل الامتلاء «فلا إفراط ولا تفريط» عقلك سيعرفك متى تتوقف عن الطعام في الوقت المناسب، والسيطرة على رغباتك وشهواتك، عندما تبدأ وجبتك ببضع حبات من التمر. نعم، يحسن بنا أن نتناول بضع حبات من التمر قبل كل وجبة، لكون أغلب محتواه مواد سكرية «جلوكوز وفركتوز» سهلة الهضم والامتصاص، تزود الجسم بالنشاط، وتنبّه خلايا المخ ومراكز التحكم الموجودة في الدماغ المسؤولة عن الشعور بالشبع في صورة سيالات عصبية؛ بالتوقف عن الطعام، فيزول الإحساس بالدوخة والتعب وسوء الهضم والتأثيرات غير المرغوبة مثل الامتلاء والشعور بالانتفاخ والغازات، فيحد من الإفراط فيه وما يترتب عليه من مشاكل صحية.

التمر مادة دوائية يحتاجه الذين يعانون فقر الدم لاحتوائه على نسبة عالية من الحديد وحمض الفوليك، ويقوي العظام والأسنان لاحتوائه على الفسفور والكالسيوم، وألياف التمر السليلوزية تساعد على حركة الأمعاء الاستدارية الطبيعية، كما أن التمر يعادل حموضة المعدة بسبب غناه بالأملاح القلوية.

يجب علينا أن نعود أبناءنا على السلوك الغذائي الصحيح ونشجعهم على تناول حبات التمر قبل الإفطار لتنشيط خلايا المخ، ورفع مستوى التركيز، وحمايتهم من مشاكل سوء التغذية، وبدرجة كبيرة مرضى فقر الدم المنجلي.

قدمت كل هذا لأقول: يجب ألا تخلو مائدتنا الرمضانية من حبات التمر الفاخرة ضمن مكوناتها الرئيسة، وقد أكد العلم الحديث أهمية وجودها على مائدة الإفطار؛ لضبط مستوى تركيز الجلوكوز في الدم، فالتمر يعمل على إمداد الجسم السريع بالجلوكوز، ليصل إلى خلايا الكبد اولًا ثم خلايا المخ والدم وجميع أنسجة الجسم الأخرى لكون السكريات غذاءها الأمثل والأيسر للحصول على الطاقة، وبذلك يتوقف تأكسد الأحماض الدهنية، وتزول أعراض الضعف العام. وقد يمتنع البعض لمن يعانون من مشاكل صحية وداء السكري النوع الثاني من تناول التمور لمحتواها السكري العالي، ولكن الأمر يحتاج إلى توضيح فقط: داء السكري النوع الثاني هو اعتلال مزمن، سيلازم المريض مدى الحياة، فيجب أن نتعامل معاه على هذا الأساس، كون الأدوية تعالج ارتفاع سكر الدم فقط، وليس الاعتلال أو الاضطراب.

وأخيرًا ، لا يمكن نسيان الماضي الذي يحمل ذكريات الطيبين الكرماء - الآباء والأجداد - هم في نفوسنا ومشاعرنا، نراهم يبدأون طعامهم بحبات من التمر، وما كانوا يعرفون ما يسمى بالقيمة الغذائية أو الأنماط الغذائية أو الغذاء الصحي، بل كانوا يأكلون الطيبات ما لذ وطاب.

منصور الصلبوخ - أختصاصي تغذية وملوثات.