في المطبخ الخلفي للحياة… حيث يُطبخ المجد على نار الدَيْن

قال نيتشه: “العالم لا يرحم الضعيف، لكنه يسجد خاشعاً أمام القوي.”
وقال دوستويفسكي: “الناس يكرهون القوي ويطيعونه، ويحبون الضعيف ويستحقرونه.”
ففي مقدمة كل مطعم، هناك نادل يبتسم، وأضواء ساحرة، وأطباق مزينة كما لو أنها خرجت للتو من جلسة تصوير.
أما في الخلف؟ في المطبخ؟
هناك العرق، والصراخ، والطناجر التي تصرخ طلباً للراحة، والأطباق التي تُلقى في الأحواض كما تُلقى الأحلام في زوايا العقل.
هكذا هي الحياة يا صاحبي… ما تراه في الواجهة ليس إلا “المنيو”، أما الحقيقة… فهي تُطهى خلف الباب الخلفي.
الديون: الملح الزائد في وصفة الحياة
دعنا نفتح فرن الحقيقة:
الفني المتقاعد، بطلنا النبيل، كان يوماً ما نجماً يحضر الجلسات، ويحمل مفكاً في جيبه كأنه وسام شرف.
الزبائن يُنادونه: “أبو فهد”
المدير يُخاطبه: “فني المخَّين”
والأصدقاء يقولون: “ما شاء الله، ما في شيء ما يعرف يصلحه!”
ثم… قرر أن “يصلّح” حياته.
فأخذ قرضاً. ثم آخر. ثم واحداً على سبيل المجاملة.
ثم بدأت الحنفية تسرّب ماء… وبدأ قلبه يسرّب ندماً.
في المطبخ الخلفي لحياته، اشتعل الزيت، واحترقت خريطة الأحلام.
والأطباق؟ صارت أقساطاً متراكمة، تدق أبواب آخر الشهر بلا استئذان.
نيتشه يدخل المطبخ ويصرخ: “أين الكرامة؟!”
بينما كان الفني يقلب حساباته البنكية كما يُقلب البيض على صاج ساخن، دخل عليه نيتشه من فتحة التهوية، وقال:
“العالم لا يرحم الضعيف، لكنه يسجد خاشعاً أمام القوي.”
لكن بطلنا – الذي أصبح الآن يطبخ المكرونة بثلاث ملاعق ماء وبكاء – لم يعد قوياً كما كان.
الناس الذين كانوا يتوسلون إليه ليصلح المكيف، صاروا يتجاهلون اتصاله.
الكرامة؟ تُقلى كل يوم مع البصل.
والهيبة؟ ذابت في قدر الحساء.
دوستويفسكي يغسل الصحون ويهمس: “حتى الحُب لا يُصرف!”
في الزاوية الأخرى من المطبخ، يجلس دوستويفسكي على طاولة صدئة، يُقشّر البطاطا بتنهيدة روسية ويقول:
“الناس يحبون الضعيف… ثم يحتقرونه حين لا ينهض.”
كم من مرة طرق الفني باب صديقٍ، لا ليطلب مالاً، بل ليسأل عن حاله…
ففتحوا له الباب بمجاملةٍ، وأغلقوه عليه بأحاديث الرحمة… بلا عشاء.
الناس صاروا يهمسون:
“كان شاطر زمان… بس الحين، الله يعينه.”
كأن الإعانة صارت عملة منزوعة القيمة.
أطباق فاشلة بنكهة “مشروع صغير”
قرّر الفني أن ينهض… فافتتح مشروعاً.
كوفي شوب اسمه “صيانة ومزاج”.
جلس فيه وحده، يُقدم قهوة بيد، ويمسح عرق القروض باليد الأخرى.
أحضر آلة الإسبريسو من أحد الزبائن القدامى، وأعد قائمة مشروبات كلها رموز لذكرياته:
• لاتيه التقاعد المؤلم
• موكا الحنين الوظيفي
• أمريكانو بلا إضافات… ولا أصدقاء
المكان كان راقياً، فارغاً، كأنه فصل من حياة خاشعة.
بعد شهرين، أغلق المحل.
وعاد إلى المطبخ… حيث لا يسأله أحد: “وين وصلت؟”
بل يسألونه: “كم تبقى من الراتب؟”
أخيراً: لا تطبخ حياتك بوصفة غيرك
يا صديقي، الحياة ليست برنامج طبخ.
ليست كل وصفة تنجح لك، ولا كل طبق يناسب نكهتك.
كن حذراً حين تقترض المقادير، فقد تطبخ نفسك في النهاية وربما تحرق الطبخة.
صديقنا الفني… كان قوياً، فأحبه الناس.
ثم تعثر، فاحتقروه.
تماماً كما قال نيتشه ودوستويفسكي… كلاهما كانا يجلسان في المطبخ الخلفي، يشاهدان الحياة تُطبخ بنار القروض، وماء المجاملات البارد والمزاجية.
لكن تذكر: لا أحد ينجو من المطبخ…
إلا من طبخ نفسه بإرادته، لا بوصفات الآخرين.



