أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الفخر الفارغ

ليلى الزاهر · القطيف اليومالأربعاء 30 أبريل 2025، 5:37 م
الفخر الفارغ

يُزهر الإنسان الحقيقي بالكلمة الطيبة ويتطوّر ذوقه سنة بعد أخرى، لا يجرح بكلمة، ولابتوْريات خرقاء.
‏
أما كلماتُه فهي دواوين شعرٍ يسحرُ القلوب بقوافيها، كلّما أنجب حوارًا في موضوع ما تطلع الآخرون لمخاض آخر ينجبه بحب وصدق.
‏⁧‫
أما كلماته فتساوي أفعاله وتتفق معها، فلا تتمزّق حنجرته من أحاديث رنّانة لتتناقض مع أفعاله. فسلوكه يكشف القيم التي يتبناها وهو ترجمان ناطق لكل كلمة مؤمن بها.

والمدهش في الأمر أنّ السلوك الإنساني يتأثر بالجينات والعوامل البيئية كما ذكر ذلك علماء النفس.

أما رؤيتي الخاصة فأنا أُكْبر ذلك الإنسان الذي يحاول تغيير السلوك الجينيّ للأفضل ويحاول تبرئة نفسه من خط الوراثة البائس.

فيتنحّى عن الصفات السلبية المكتسبة من الأسرة التي نشأ فيها، ويحاول تطوير شخصيته الأخلاقية والاجتماعية بما يحقق له رضا الله تعالى، مكتسبًا بذلك محبة الناس.

لقد قطعت البشريّة أجيالًا مختلفة وأزمنة متعددة وما زال الإنسانُ المختلف خارجه عن باطنه ممقوتًا في مختلف الحِقَب.

فإذا آمنتَ وكوّنتَ لك مبادئك الخاصة واعتمدت منهجًا يُضيء طريقك فلا تسقط أفعالَكَ بكلماتٍ غير لائقة جرتْ على لسانك ودخلتْ في قيدك هذا فضلًا عن أن الطريق الذي تسلكه يراه الجميع.

إنني لا أراك مع المتواضع ولا أراك مع الصادق حتى إن زعمتَ أنّك تنتمي لهما. وأرى طريق المتقين يختلف عن طريقك. إنّ لكلّ قول حقيقة مثل نور النهار ولا ينكر ذلك إلّا من كان أعمى البصيرة.

سأل النبي الكريم أحد صحابته وكان يُدعى حارثة: كيف أصبحتَ يا حارثة؟ قال: أصبحتُ مؤمنًا. قال عليه أفضل الصلاة والسلام: لكلّ قول حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟" قال: عزفتْ نفسي عن الدنيا، فأسهرتُ ليليّ، وأظمأتُ نهاري، وكأني أنظر عرش ربي بارزًا، وكأنّي أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها. قال: "يا حارثة، عرفت فالزم".

إنّ المعرفة القلبيّة لله تعالى قوة جذب عظمى تصل بالإنسان إلى مقام عظيم لا يعرفها غيره ولا تنكشف أمام النّاس وهي تختلف عن السلوك البشريّ الظاهر لدى العيان، حوارها خفي، يبدأ بأدب وينتهي بالرضا والقبول.

أما السرّ خلف تناقض الأقوال والأفعال فهو نِتاج الضعف النفسيّ وقوامه الهشاشة الأسريّة التي نشأ فيها الإنسان؛ يظهر ذلك جليًّا في الفخر الفارغ؛ فما إن تجلس جلسة مع أحدهم في نقاش فكريّ أو اجتماعيّ حتّى رأيت دفّة الحديث اتّجهت نحو إبراز العضلات الفكريّة أو محاولة الخروج من دائرة التّقصير وإثبات صحّة الرأي المُقدّس عند أصحابها على حد قولنا!!

لذلك يُقال: (لا تحاور ثلاثًا: مُنتفع، عنيد، جاحد) بل اجمع أمرك واهرب من محاورة من لا يرى إلًا نفسه، وارتفعتْ ضوضاؤه، وكان جاهلًا يُجيب قبل أن يسمع، ويُعارض قبل أن يفهم، ويحكم بما لا يعلم!